Friday, July 1, 2011

إهداء




"إنني أتطلع إلى إنجاز عمل عظيم و نبيل، لكن واجبي الأساسي هو أن أنجز أعمالاً و مهام، حتى لو كانت صغيرة، يجب أن أنجزها بروح عالية، كما لو كانت أعمالاً عظيمة و نبيلة!" هيلن كيلر.
بعد "لمار" بت أتطلع إلى ذاتي قبل غدي، فهل لي أن أهدي هذا العمل إلى نفسي أيضاً؟ هل لي أن أبارك لنفسي بالخطوات الجميلة التي قمت بها حين قابلت أناساً شقّوا لي درب الروح قبل المعرفة؟!
 لست أمدح هذا العمل، بقدر ما أردت التعبير عن ما تركه في داخلي، لأن الصفحات تقلب مع الزمن، و لن يبقى في الداخل سوى من خطّها، و جدّد فيها و قدّم نفسه و عمره ليبارك الثقافة بعلمه و موهبته...

"لمار" أهديها إلى:
أمي الغالية.. قبلة على يدكِ اليمنى و انحناءة تحت الجبين!
أبي الحبيب.. لم أستطع فهم معنى الإتكال على نفسي من دونك!
جدي و جدتي.. أتمنى أن يكون هذا العمل على قدر بسيط مما تنتظرانه مني..
إخوتي محمد، مهدي، هادي، كريم و أختي الصغيرة ريم.. كنا صغاراً على الحلم، فكبرنا نحن و بات الحلم بين أيدينا و بضع زهور، هي أنتم..
بتول.. القريبة في النسل و الصديقة في الدرب


أنسي الحاج... حين نتوجه إلى "الجميع" لا يتبقّى من أعمالنا شيء في أحد!

باولو كويلو.. لا أدري إن كنت سترى هذا العمل أم لا، يكفيني أنك منحتني ثقة زائدة بالإرادة و الطموح حين يوجد!
إلى أساتذتي.. ألف شكر و تحية
إلى أصدقائي و عائلتي
 و إلى كل من ساهم و شارك في إنجاز هذا العمل..

عرسٌ في ميدان التحرير


(إلى البهيّة مصر)

محمد علي شمس الدين

خمسُ صبايا قرويّات من "أسيوط"
يعملنَ على أرض لا يملكنَ سوى سُمرتها
أبصرنَ معًا رؤيا واحدةً
في الخامس و العشرين من القَمرِ الدامي
في الشهر الأوّل من عام الثورة
و النصف الأبيض من ليلِ الأحزان
لم تخبر أيٌّ منهنّ رفيقتها بالأمرِ
و خافت إن باحَت
أن تخذلها جارتُها
قالت إحداهنّ، و مِغزلها يغزل خيطان حكايتها:
أبصرتُ فتىً أجملَ من بدرِ التمِّ
على صدرِ صعيدٍ شاسِع
ينهَد في مصرِ المحروسةِ
أعلى من شجرِ الميلاد
و أشهى من ثمرِ الحريَّة
يعدو و يطارد خنزيرًا بريًا..
قالت "زينبُ" أختُ "بهيّة":
-هل كانَ فتىً أم جبلاً؟
قالت: لا أدري
لكنّي أبصرتُ يعوم على النيلِ دم ريّان
قالت ثانيةٌ و هي تمدُّ أصابعها
المعقودة بالطمي و بالريحان
وأشارت نحو النهرِ:
هنا قتلوهُ
فلما أزهر في الميدانِ دم الشهداءِ
تفتّح زهرًا و نخيلا
قالت ثالثةٌ:
.. و هنا قامَ
فلما صلينا الفجرَ
رأينا قامتهُ تعلُو
و يسير و تتبعه الغدرانُ
و يمشي خلف خُطاهُ الفلاّحون
قالت "رابعةٌ" المفتونةُ بالأسفار
إلى أين؟
قالت: نحو الميدان
فتلفّتن جميعًا كامرأةٍ واحدةٍ
وارتسمت صورتهنَّ هناك
....
....
و مضى زَمَنٌ
لا يدري أحدٌ كم طالَ
و كم عَبَرَت شَمسٌ فوق الأرضِ
و كم حلَّ غروب
قال الراوي
و هو يعدّلُ أوتارَ ربابتهِ
و الريحُ جنوب:
يا خمس صبايا من "أسيوط"
هذا زمنُ الأعراسِ أتَى
فتزيّنَّ بأجملِ زينتَكُنَّ
سنمضي بعد قليلٍ نحوَ الساحة

سلام الراسي ..."الحكواتي الأخير"

مئة عام على ولادة شيخ الأدب الشعبي


سلام الراسي

على ألسنة الناس حكايات وقصص وأحاديث وأمثال وأساطير تتألف منها حضارتنا الشعبية وتاريخنا غير المكتوب. يقول المفكر سلامة موسى في إحدى المأثورات المحكية عن الذاكرة الشعبية أن " "جحا" في العالم العربي، أشهر من إبن رشد و إبن سينا و إبن خلدون، لأن "جحا" يعيش في الذاكرة الشعبية، بينما يعيش هؤلاء في بطون الكتب". كان سلام الراسي ذاكرة الناس الشعبية من خلال القصص و الحكايات التي جمعها عنهم، و التي رتبها وأضاف إليها و كتبها، و قدمها للقارئ بطريقة طريفة و بتعابير جميلة. فأصبح إسم سلام الراسي مقروناً بأعماله و أدبه، حتى لقّب "شيخ الأدب الشعبي" و رائده. يُعدّ من أحد أعمدة التراث الحكائي وتراث الأمثال والفلكلور وكل ما يخص التجربة الشعبية اللبنانية وتجربة المنطقة الريفية الجنوبية بشكل عام، وكان يلقب في الجنوب بـ "أبو علي". و يمتاز أدب سلام الراسي بقدرته على مزج اللغة الفصحى و المحكية. وقد استقبل القراء مؤلفاته استقبالاً طيباً، و أدمنت شريحة واسعة من القراء على قراءة كتبه بشغف واهتمام. و عمل الراسي ما يزيد عن خمسين سنة على التقاط مأثورات الأدب الشعبي، عن ألسنة الناس "لئلا تضيع"، و نشرها تباعاً في سلسلة كتبه، أدب "الناس للناس"، التي ملأت حوالي 14 كتاباً، و نشر بعضها في الجرائد و المجلات. و كان سلام الراسي يعبّر عن أدبه من خلال بيتين من الشعر:
لا السهل و الوديان و الجبل   وطني، و لا الأنهار و السبل
كلا، و لا الأطلال، بل وطني   "الناس: ما قالوا و ما فعلوا"
سلام الراسي الإنسان، الأب، الثائر، الصديق، و الأديب، كيف هو في ذاكرة أحبائه و كل من عرفه؟ يتحدث إبنه خالد الراسي  و صديقته الكاتبة الأديبة إميلي نصرالله، عن بدايات سلام الراسي وعلاقته بهما و عن تجربته الأدبية، في مقابلة أجرتها مجلة "لمار" معهما، و ذلك لمناسبة مضي مئة عام على ولادته.

عاش سلام الراسي في شبابه رجلاً ثورياً، إذ أنه شهد فترة الإستعمار الفرنسي، و من ثم نكبة فلسطين عام 1948، فكانت أعماله و حركاته في خدمة هذه القضايا متفرغاً مع الحزب الشيوعي. و يشرح خالد الراسي عن الأحداث التي عايشها والده، و الذي ولد عام 1911. و بقي في قريته إبل السقي-  قضاء مرجعيون طوال حياته، إلا في الأوقات التي كان يضطر الخروج منها بدافع العمل أو لأسباب أخرى، متنقلاً بين بيروت و القرى الجنوبية. و عن إتجاه سلام السياسي يقول: "كانت لديه ميول يسارية منذ شبابه، فكان من الأوائل في الحزب الشيوعي في الجنوب، و محرك الحملات و التظاهرات التي قامت ضد الإقطاع و البرجوازية، حتى أصبح أغلب سكان إبل السقي من اليسار. و كانت ثقافة مرجعيون مختلفة عن باقي القرى التي تجاورها، إذا أن أغلب سكانها من التجار و أصحاب الثروات و الأملاك، فكان سكان قريتنا يثورون على هذا الغنى، حتى رسم سلام هدفاً في حياته و هو مناصرة الفقراء."
لم يتابع سلام الراسي دراسته الجامعية بعد انخراطه بالعمل السياسي في بيروت، و يقول خالد "في فترة الثلاثينات، أتى سلام الراسي إلى بيروت في محاولة منه للدخول إلى الجامعة الأميركية، و كان وقتها عميد الجامعة الدكتور بولس الخولي، زوج أخته، و الذي ساعده لدخول الجامعة. سكن عند أخته في بيروت لفترة قصيرة؛ سمع أن هناك تظاهرة في بيروت ضد الإستعمار الفرنسي فهرب من الجامعة ليشارك فيها و قرر أن يتركها بهدف التفرغ للعمل السياسي في الحزب الشيوعي. و انتقل بعدها إلى قرية درب السيم بالقرب من صيدا، لأنه كان ملاحقاً من قبل الدرك بسبب التظاهرات التي أشعلها. علّم اللغة العربية لمدة سنتين في مدارسها، و سكن عند صديقه الدكتور نبيه الشاب، الذي كان يسارياً و شاعر زجل كذلك.
عاد إلى قريته في أول الأربعينات، و تابع عمله في الحزب الشيوعي، لكنه كان مميزاً حينها بموهبة الشعر و الإلقاء، كان يشد انتباه الناس حين يتكلم، لذلك كلّف هو خصيصاً أن يبشر بالشيوعية في كافة قرى الجنوب. دخل السجن عام 1948 لمدة ستة أشهر، حين حدثت نكبة فلسطين، و اعترفت روسيا حينها بالتقسيم، الأمر الذي شكل أزمة كبيرة عند الحزب الشيوعي اللبناني لأن أعضاءه لم يستطيعوا الخروج عن حسهم الوطني و في ذات الوقت عليهم إتباع أوامر روسيا بالإعتراف في التقسيم. فوزعت حينها مناشير في مرجعيون ضد الإنتداب الفرنسي و اتهم هو بتوزيعها، فاعتقل و نقل إلى سجن بعلبك.
عام 1949 اختلف مع الحزب الشيوعي، و ذلك بسبب زيارة مسؤول روسي كبير إلى المنطقة في الجنوب، و كان أخوه سامي الراسي صحافياً يعمل في جريدة "الإيسترن تايمز" الإنكليزية. في اليوم التالي نشر في كافة الجرائد خبر زيارة هذا المسؤول، فاتهموا سامي الراسي بأنه هو من أخبر الصحف، و أنه يتعامل مع المخابرات الأجنبية، فأقالوا سلام من الحزب خوفاً من أخيه. ترك الحزب و عمل في مجالات عديدة منها الزراعة و النحل و بيع الحليب و الجبنة، و اعتبرها أموراً مسلية مع السياسة. و كذلك كان مضطراً أن يجد عملاً آخر خارج الحزب لأنه بعد زواجه عام 1942 أصبح لديه عائلة و عليه أن يؤمّن مستقبلها."
إميلي نصرالله
كانت مشكلته مع الله و ليس مع رجال الدين
عمل سلام الراسي طوال حياته على فكرة إلغاء الطائفية و التقريب بين الناس على أشياء بعيدة عن الدين كالقصص و الحكايات. تحدثنا الكاتبة إميلي نصرالله عن هذه الفترة التي كانت تعج بالأحداث السياسة الساخنة و عن ردود فعل سلام الراسي تجاهها و تقول: " أولاده ثلاثة: علي جهاد، خالد، و رمزي. جمع بأسماء أولاده كل الديانات، لأن حلمه كان إلغاء الطائفية الذي يطالب به الشباب اليوم. و كذلك فعل مارون عبود الذي يكنّى بـ "أبو محمد"، أما سلام الراسي فبـ "أبو علي". يعمل إبنه خالد في قطاع الهندسة المعمارية، و علي جهاد موسيقار كبير يعيش في كاليفورنيا، أما رمزي فيعمل مخرجاً.  انضم سلام إلى الحزب الشيوعي بهدف مطالبته بإلغاء الطائفية في لبنان، و ذلك كان على عهد الإحتلال الفرنسي، تعبيراً عن إرادتهم لنيل الإستقلال."
و يقول خالد الراسي: " كان سلام متحرراً جداً، و كان ضد الدين، والده كان واعظاً بروتستانتياً فورث العديد من الكتب الدينية فأحرقها كلها، معتبراً أنها لا تفيد. كان ملحداً، بالرغم من علاقته الوطيدة مع رجال الدين، لكن مشكلته كانت مع الله. لم يفرض علينا أي ديانة، إلى درجة أنه لم يقم بتعميدنا حين ولدنا أنا و إخوتي و ذلك ليترك لنا حرية إختيار الدين الذي نرغب فيه."
استغلّ عمله في التعمير ليجمع قصص الناس
لم يثبت سلام الراسي في مهنة واحدة طوال حياته، لكنه رسا أخيراً على مهنة التعمير و ذلك بعد زلزال 1956 الذي هدّم على إثره بيوت كثيرة. يقول خالد الراسي: "عام 1956 حدث الزلزال في لبنان و تهدمت بيوت كثيرة، فخرج حينها إميل البستاني ليعمل في مصلحة التعمير. و شاءت الصدف أن يخبروا إيميل عن سلام بأنه لبق في التعامل مع الناس و عمله متقن، فدعاه للعمل معه و التجول في القرى لمعرفة الأضرار التي نجمت عن الزلزال كي يحددوا خطة العمل. فاستغل سلام عمله بتجوله في القرى فجلس مع الناس و سمع حكاياتهم و أخبارهم و كان بدوره يروي لهم الحكايات التي كان يعرفها. أي بدأت عملية تجميع الأخبار و الأمثال و الحكايات حين بدأ العمل مع إميل البستاني. بقي في مجال التعمير حتى العام 1971 حين بلغ سن التقاعد." و في هذا السياق تقول إميلي نصرالله: " أعتقد أنه بدأ هذه المصلحة سعياً للحصول على راتب يكفيه و عائلته."
خالد سلام الراسي
سلام الراسي.. أديباً
"بدأ سلام الكتابة متأخراً، أي بعد تقاعده." تقول إميلي نصرالله. و يشرح خالد الظروف التي أتيحت لسلام الراسي كي يدخل عالم الكتابة و التأليف، فيقول: " كان منزلنا لا يخلو يومياً من الناس، كانوا يأتون من كافة القرى الجنوبية ليسمعوا حكاياته و قصصه، إذ كان يقول أنه الحكواتي الوحيد و الأخير في المنطقة، و ذلك قبل أن يقرر البدء بالكتابة، إذ لم يكن الأمر وارداً لديه في البداية، بالرغم من تشجيعنا الدائم له أنا و إخوتي و أمي بأن يكتب هذه القصص قبل أن ينساها، لكنه كان يرفض بسبب عمله في التعمير، لأنهم كانوا يمنعون أي موظف في الدولة أن يؤلف كتاباً من دون أن يطلعوا عليه، فكان يتجنب هذا الأمر لأن غالبية قصصه تطال رجال الدين و السياسة. و حين تقاعد زاد إصرارنا على أن يجمع كل هذه القصص المخزنة في ذاكرته في كتاب. وقتها كنت أعمل في الخليج، بعد تخرجي من الهندسة، فتحسنت أوضاعنا المالية. كتب أول كتاب بعنوان "لئلا تضيع" فنوينا حينها أن نوزعه فقط على العائلة و الأصحاب. تفاجأنا بعدها بإزدياد الطلب عليه بشكل رهيب. فباشر بالكتاب الثاني و الثالث حتى الـ 14 كتاباً تقريباً، فكتبت أمي إميلي الراسي حينها كتاباً عنه و عن أدبه بعنوان "أدب و عجب سلام الراسي" لأنه لم يكن فقط سارداً للأحداث، بل هناك الكثير من القصص من تأليفه، فكانت تقول: "إذا كان ما يكتبه سلام صحيحاً فهو أدب، أما إذا كان من تأليفه فهو عجب"، لدرجة أن الناس أصبحت تتبنى قصصه."
و تعبّر إميلي نصرالله عن إعجابها و حبها لأدب سلام الراسي و مدى تأثرها به "سلام الراسي ظاهرة، لأنه عمل طوال هذه المدة بأشياء لا علاقة لها بالكتابة، جمّع من الحكايات و الأمثال ما لا يعد. حتى كتبها كلّها بعد تقاعده، فتجسدت بـ 14 كتاباً. طلب مني كتابة  مقدمة لكتابه "حكايات أدبية من الذاكرة الشعبية"، أعتقد لأننا جئنا من بيئة متشابهة نحمل التراث ذاته فشعر بتقارب أفكارنا و خلفياتنا، فلبّيت طلبه بكل سرور.  وقعت بعد ذلك الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 فسافر سلام و زوجته أيام الحرب إلى لندن مكان إقامة إبنه، و كنت دائماً أسأل نفسي: ماذا يفعل سلام في لندن؟!"
عن هذا السؤال يجيب خالد الراسي: " حين اندلعت الحرب الأهلية في لبنان جاء هو و أمي إلى لندن حيث كنت أسكن، بقي سنة في لندن و عاد إلى لبنان، لم يستطع التأقلم في إنكلترا. و هناك حكاية طريفة حدثت في حينها، كنت أسمعه يتحدث مع أمي عن قصة كتبها عن رجل يعرفه لكنه لم يلتقِ به منذ فترة طويلة، فرفضت أمي أن ينشرها حتى لا يسبب هذا الأمر إحراجاً بيننا و بينه، لكنه أصر على نشرها لأنني أقنعته بذلك و بأنه لن يلتقي به كونه في لندن و الرجل في القرية. حين عاد إلى بيروت جاء هذا الرجل بعد قراءته للقصة و زارنا في منزلنا شاكراً إياه لأنه تذكر هذه القصة قبل أن يمحوها الزمن.
أيام الحرب كان الناس بحاجة لأن يشعروا بشيء يجمعهم، فأصبحت كتب سلام الراسي تباع بكثرة، معتبرين أن هذا الشيء الذي يمكن أن يجتمع عليه اللبنانيون، تراثهم الشعبي."
و تتابع نصرالله: "كنت أرى في أدبه إبداعاً، ليس فقط لنقله الأدب الشعبي، بل لأنه ألّف الكثير منه. كانت لديه مخيلة كبيرة و واسعة جراء عشرته و علاقته الوطيدة بالناس، كان "يبهّرها" أحياناً في حكاياته. كان يجلس أحياناً على "تنكة الغاز" ليتحدث مع الناس، و هذا أعتبره جزءاً من إبداعه، لأنه قام بجهد كي يحصل على هذه الحكايات الشعبية. فكان أدبه من الناس إلى الناس حتى أطلق على أحد كتبه "الناس للناس". كان يفهمهم، و هذا ما زاد من ثقتهم به، فكانوا يخبرونه أخبارهم و حكاياتهم. و سبب آخر، لأنه إبن هذا المحيط، استطاع أن يقدم كل هذا العطاء، و الأسلوب المرح، و السهل، و الجميل للتراث.
و لم ينفرد سلام الراسي بأدبه الشعبي، كان هناك العديد غيره، كأنيس فريحة و مارون عبود. أنيس فريحة كان أستاذي و كان رجلاً أكاديمياً و باحثاً، أي أن كتاباته جاءت من خلفيات البحث العلمي،خلافاً لما فعله سلام. فالذي ميّز سلام أنه  لم يبحث بالكتب عن حكايا الناس بل أخذها منهم مباشرة كما هي و رتبها على طريقته، و أعطاها لمسة مختلفة واقعية إبداعية قربته من القراء.
كانت مجالسه ظريفة جداً، كان محدثاً لبقاً. كان له برنامج على تلفزيون لبنان الذي أخرجه له إبنه رمزي، كان كلامه في هذه الحلقات جميلاً و ساحراً. يجلس كأي راوٍ، ظريف الحضور، لطيف الأسلوب، و لديه روح الـ "نكتة". يجذب الكثير من المستمعين، و ذلك موهبة، عدا عن كونه إبداعاً لتمكنه من التحدث الشفهي بعفوية تامة."
و يلفت خالد الراسي إلى أن "رمزي يعمل اليوم على محاولة عرض الحلقات التلفزيونية لسلام الراسي على تلفزيون لبنان، و ذلك كي يسترجع الناس ذكراه، ليس تكريماً له بل لإحياء هذا الأدب الذي أصبح على حافة الإنقراض بين الشباب."
سلام الراسي الصديق


سلام الراسي مكرماً في منزل إميلي نصرالله و محاطاً بمجموعة من أصدقائهما

ورقة كتبها سلام الراسي عام 1994 و أرفقها بالصورة أعلاه

تستذكر إميلي نصرالله بداية علاقتها بسلام الراسي التي توطدت في ما بعد حتى أصبحت صداقة عائلية، فتقول: " ولدت في كوكبا و من ثم انتقلت للعيش في الكفير، و بالرغم من أن كوكبا قريبة جداً من قرية سلام "إبل السقي" إلا أننا لم نلتقِ هناك. لكننا تربينا في بيئة قروية متشابهة. التقينا أول مرة في بيروت، في مكتب دار نوفل تحديداً، حيث أنشر كتبي منذ العام 1974، أي تعرفنا في هذا التاريخ تقريباً، لأن دار نوفل هو الناشر كذلك لكتب سلام. كنا نلتقي دائماً هناك، نتبادل الأحاديث، حتى توطدت الصداقة في ما بعد، إلى أن أصبحت صداقة عائلية، حتى صرنا نلتقي في منزلي أو في منزله أحياناً. و هناك شيء مشترك بيننا أيضاً، أننا نحن الإثنين نتكلم بالـ "قاف"، فكانوا يسألونه إذا كنا قريبين، فيجيبهم بأنني إبنته بالروح."
و بغصة تقول: "مع الأسف، لا يوجد اليوم أدب شبيه بأدب سلام الراسي، لأن الحياة تغيرت، و الناس تغيرت، أصبح هناك تلفاز فاستغى الكثير عن الـ "حكواتي". و بسبب إختلاف جو المدينة عن جو القرية، إذ حتى الريف بات متمدناً اليوم. و في الوقت ذاته لا نستطيع أن نلغي هذه التكنولوجيا. لكنني أقول للشباب اليوم من خلال ما سمعته عن جدتي أن "الذي يخلع ثيابه، يشعر بالبرد" و هذا القول له معانٍ كثيرة، أولها أن لا نتخلى عن تراثنا الأصيل و عن خصوصية مجتمعنا و نستبدلها بأدوات لا يوجد بيننا و بينها أية حميمية."
كلمة أخيرة وجهتها إميلي نصرالله لسلام الراسي في ذكرى ولادته المائة: "أشتاق لطرافة سلام و روحه المرحة. لم أزر قريته إلا مرة واحدة حين ألقيت كلمة خلال حفل تكريمي له بعد وفاته التي كانت في العام 2003 عن عمر يناهز الـ 92. و اليوم، لا أتذكر سلام إلا ببسمة، فلا يمكن أن نقرن سلام بالحزن."

(كادر) مؤلفات سلام الراسي:
1-لئلا تضيع
2-في الزوايا خبايا
3-حكي قرايا و حكي سرايا
4-شيح بريح
5-الناس بالناس
6-حيص بيص
7-الحبل على الجرار
8-جود من الموجود
9-ثمانون
10-القيل و القال
11-قال المثل
12-الناس أجناس
13-حكايات أدبية من الذاكرة الشعبية
14- إقعد أعوج، و إحكي جالس
15-الأعمال الكاملة
(كادر) قصة من كتاب الناس أجناس
يحكى أن هناك رجلًا يدعى "سلامة" دخل يوماً على أحد الزعماء المتنفذين وقال له: إخوتي يا بيك استولوا على تركة أبينا بعد وفاته، وحرموني حقوقي من الإرث. فسأله المتنفذ ومن هم إخوتك؟ قال: أخوتي هم : نمر وفهد وسبع ! قال الزعيم المتنفذ : أخوتك نمر وفهد وسبع، وأنت إسمك سلامة وتريد من أخوتك أن يتعرفوا عليك !‏
اذهب يا ابني وغير اسمك، فتحصل على حقك وثلثين الباطل .‏
(كادر) إميلي نصرالله في أدب سلام الراسي (كتاب "إقعد أعوج، و إحكي جالس")
سألوا أمين الريحاني: "هل يحق لنا أن نقول عن سيدة مفكرة إنها من رجالات الفكر!". قال: "و هل يوجد عندكم سيدة تستحق أن يقال عنها إنها من رجالات الفكر!". أجل أيها الفيلسوف، عندنا الآن سيدة تستحق أن يقال إنها من أكبر رجالات

عمر خيرت: الموسيقى التصويرية ترفع الأداء عندما يكون ضعيفاً




استطاعت الموسيقى، بفضل تأثيرها الروحي في النفوس، أن تمتزج بالفنون الأخرى كالشعر والرقص والفنون التشكيلية والسينما والمسرح، لتصبح وسيلة مهمة من وسائل التعبير، ومادة أساسية في خلق الأجواء الملائمة للتفاعل النفسي عند الجمهور. و يؤكد العديد من الناس أنهم لا يجيئون إلى السينما لكي يستمعوا إلى الموسيقى، بل يطلبون منها أن تعمق لديهم الإنطباعية المرئية، وأن تضيف زخارفها إلى تلك التي تقدمها لهم الشاشة.
 و في هذا الإطار، يشرح الموسيقار المصري عمر خيرت الذي يعتبر من أحد أهم الموسيقيين المصريين، و له إنجازات كثيرة و عريقة في مجال الموسيقى التصويرية، أهمية دور الموسيقى المرافقة للأفلام السينمائية و المسلسلات التلفزيونية، و يقول: " الموسيقى التصويرية هي من الأعمدة الأساسية في صناعة السينما، وفي إعتقادي أنه لا يمكن الإستغناء عنها، بدليل أن بداية السينما كانت الأفلام الصامتة، وكانت الموسيقى هي التي تقوم بهذا الدور."
و يعد خيرت متطلبات العمل الموسيقي المرافق للعمل التصويري بقوله: "أولاً، يجب على مؤلف الموسيقى التصويرية أن يكون دارساً دراسة أكاديمية للموسيقى لما يتطلبه هذا النوع من التأليف الموسيقي من معرفة ودراية بالعلوم الموسيقية والتلوين الآلى للأوركسترا. و ثانياً، قراءة السيناريو في حالة المسلسل وإذا أمكن، مشاهدة بعض الحلقات أو المشاهد إذا كان قد تم التصوير، ثم البدء في وضع مقاطع موسيقية مختلفة بأطوال مختلفة تعبر عن الحالات الدرامية التى تحدث في سياق المسلسل (حب، عنف، دراما، تشويق)، ويتم وضع هذه المقاطع من طريق المعد الموسيقي في أماكنها المناسبة، ولكن الطريقة المثلى وهي الأصعب، أن يتعامل المؤلف الموسيقي مع المسلسل كما يحدث في السينما، كما حصل في مسلسل "الجماعة". و يتطلب هذا الأسلوب مجهوداً كبيراً لأنه في هذة الحالة يقوم المؤلف الموسيقي بوضع موسيقى تصويرية لما يعادل 10 أفلام. و ثالثاً، وضع الموسيقى التصويرية للفيلم السينمائي تتطلب أن يحصل المؤلف الموسيقي على نسخة من الفيلم بعد المونتاج في الإستديو الخاص به، ويتم وضع الموسيقى التصويرية على الصورة مباشرة وبالأطوال التى تتطابق تماماً مع المشاهد."
ومن أهم أعمال خيرت للدراما التليفزيونية: "القضاء في الإسلام"، و "ضمير أبله حكمت"، و "اللقاء الثاني "، و"ربيع فى العاصفة"، و "هذا الرجل" و غيرها الكثير..
 و أظهر  ازدياد الإهتمام بالسينما وتطورها المتنامي الحاجة لوجود موسيقى خاصة لكل فيلم، فظهرت مهنة مؤلف موسيقى الأفلام، وهذا أدى إلى جذب العديد من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية الحديثة مثل سيرغي بروكوفييف الذي وضع موسيقى أفلام ايزنشتاين "إيفان الرهيب " و "الكسندر نيفسكي "، وديمتري شوستاكوفتش، و التي واجهت أحياناً مشاهد لم تستطع إيصال إحساسها من خلال التمثيل و الإخراج فقط، و نجحت الموسيقى بذلك، و يقول خيرت في هذا السياق: " عادة ما تصل الموسيقى بالإحساس إلى ذروته في المشاهد التي توضع لها موسيقى، وبالتالي الموسيقى ترفع الأداء عندما يكون ضعيفاً سواء في الإخراج أو التمثيل."
و اعتبر أنه باستطاعة الموسيقى التصويرية أن تكون فناً منفصلاً خارجاً عن إطار دمجه بالفيلم أو المسلسل " فأحياناً كثيرة يتم تسجيل موسيقى الأفلام بدون الصورة وتباع للجمهور كعمل موسيقي منفصل في الأسواق، وأيضا تقام الحفلات الموسيقية الخاصة بموسيقى الأفلام بدون صورة."

مخرجو الفيديو كليب يصنعون السينما اللبنانية؟


مشهد من فيلم "وهلأ لوين" للمخرجة اللبنانية نادين لبكي

يعتبر العديد من مخرجي الفيديو كليب أن عملهم في هذا المجال ليس إلا منصة انطلاق نحو السينما، مع العلم أن الفن السابع يتمتع بإيقاع مختلف عن الفيديو كليب، حتى بات هذا الأمر ظاهرة منتشرة على صعيد الفن و الإخراج. فالقاعدة الإنتاجية أصبحت متوفرة لدى معظم المخرجين، و التمويل كذلك رغم صعوبة حصولهم عليه.  و لعل تجربة المخرجة اللبنانية نادين لبكي في فيلمها الأول "سكر بنات" عام 2007 و الذي لاقى نجاحًا كبيرًا، كان حافزًا للكثيرين لينتقلوا إلى عالم السينما، و ليضعوا لمساتهم الإبداعية و ليبتكروا أفكارًا جاء بعضها من تجاربهم في إخراج الفيديو كليب، كالمخرج سعيد الماروق الذي أنجز فيلمه الأول "365 يوم سعادة"، و المخرج سليم الترك الذي ارتأى ابراز موهبته من خلال تجربته الأولى في فيلم قصير تحت عنوان "(16-5)" و اليوم له فيلم ثان، بالإضافة إلى تجربة المخرج نبيل لبّس و غيرهم الكثير..  فهل تنهض السينما اللبنانية التي تشهد في المرحلة الحالية حركة نشطة، على أيدي مخرجي الفيديو كليب، إلى جانب ما يقوم به السينمائيون اللبنانيون الذين حصدوا في العامين الأخيرين الكثير من الجوائز العربية والعالمية؟
مخرج الفيديو كليب نبيل لبّس الذي يستعد قريبًا لإنتاج فيلمه السينمائي الثاني بعد إنتاج فيلمه الأول "شربل" اعتبر أن "مخرج الفيديو كليب و الدعايات الذي يتقن العمل الدرامي يستطيع أن يستغل قدرته الفنية كالإضاءة و أخذ الإطارات الجيدة و الصوت و الصورة و الديكور في العمل السينمائي و يستطيع أن يحقق نجاحًا فيه." و أكد على أهمية معرفة مخرجي الفيديو كليب بالحبكة الدرامية للفيلم السينمائي و على كيفية إدارتهم للممثلين الذين يشاركونه العمل.
و اعترف لبّس بالدعم الكبير الذي قدمه له عالم إخراج الفيديو كليب بقدرته على إنجاز أفلامه فقال: "استفدت كثيرًا من تجربتي في عالم الفيديو كليب، و أساس إختصاصي كان الإخراج السينمائي و كتابة السيناريو، تعلمت كيف أحصل على لقطات و إطارات جميلة في الفيلم." و أضاف: "لم أقصد العمل في إخراج الفيديو كليب كي أنتقل إلى السينما، كان الأمر صدفة، لكن حلمي الأساسي كان ولوج عالم السينما و الشاشة الكبيرة."
 و نفى لبّس الأقاويل التي تؤكد أن مخرجي الفيديو كليب مؤهلون جميعاً للعمل في السينما لأن "الصورة وحدها لا تكفي". و في الكفة الأخرى اعتبر تجربة نادين لبكي مثالاً للمخرجين الناجحين لأنها تملك القدرة على إدارة الممثلين، و أبدى إعجابه بتجربة سعيد الماروق السينمائية ووصفها بالجيّدة و المتقنة.
المخرج عادل سرحان الذي حصد فيلمه الأول "أديم" 6 جوائز عالمية، رأى أن إخراج الفيديو كليب و الدعايات هو المنفذ الوحيد أمام مخرجي السينما كي يبدأوا عملهم و يثبتوا أنفسهم، معتبرًا أن الصعوبة لا تكمن في إذا كان العمل ضمن إطار الكليب أو السينما بل في القدرة على إيصال الرسالة في مدة لا تزيد عن الـ 5 دقائق أو في مدة ساعة أو أقل أو أكثر.
و في ما يتعلق بالإختلاف بين الفيديو كليب و السينما لفت سرحان إلى أن "هناك فرقاً جذرياً بين تصوير الفيديو كليب و تصوير الفيلم السينمائي. في الفيديو كليب لا يوجد رقيب على أعمالنا، إذا كان المشهد جيّدًا أم لا، اللقطات موفقة أم فاشلة، لا أحد ينتقد أدائنا، و لا يوجد ممنوعات كثيرة، أما بالنسبة للفيلم فالمسؤولية أكبر و النقاد أوسع لأن الفيلم مساحته أكبر."
و اعتبر سرحان أن من الطبيعي أن تنتعش السينما بولوج مخرجي الفيديو كليب إليها و ذلك لأن "أي مخرج حالم و هادف يستطيع أن يقدم لمسة إبداعية خاصة مستغلاً تجربته في عالم الفيديو كليب و يضيفها إلى السينما. و الشعور مختلف تمامًا حين الإنتقال إلى السينما، كالشخص الذي كان يقود سيارة و أصبح يقود طائرة."
و أبدى سرحان تفاؤله بمستقبل السينما اللبنانية، معتبراً أن "السينما ذاهبة إلى مكان أفضل بكثير مما هي عليه اليوم، خاصة بعد تطور المعدات التكنولوجية الخاصة بالإخراج و  تطور الجهود الفردية. و سترجع السينما كما كانت عليه في الستينات و السبعينات."
المخرج باسم كريستو الذي عمل سابقًا على إخراج الفيديو كليب، و يعمل اليوم على إخراج البرامج التلفزيونية، و له فيلم جديد تحت عنوان "سوري مام" لكن ليس من إخراجه بل عملت عليه شركته الإنتاجية، و يحضّر اليوم لفيلم آخر من إخراجه. يلفت إلى أنه "ليس بالضرورة أن ينجح عمل مخرج الفيديو كليب في السينما، و من الممكن أن يكون فاشلاً في إخراجه للفيديو كليب، يبقى المعيار هو إتقانه للحبكة الدرامية و إدارة الممثل في الفيلم، الأمر الذي يفتقده الكليب. و نجح في هذا المجال كل من: نادين لبكي، سعيد الماروق، و سليم الترك و غيرهم." و يشترك كريستو بتفاؤله بمستقبل السينما مع المخرج عادل سرحان بسبب تطور الأفكار و التقنيات.
و يبدي المخرج السينمائي ماهر أبي سمرا نظرة إيجابية تجاه هذا الموضوع، فيعتبر أن "كل شخص قادر على دخول عالم السينما إذا كانت لديه هذه الروح و الحماس و التقنية اللازمة. لكن الفارق هو أن الفيديو كليب طابعه تجاري أكثر، و لا يستفيد مخرج الفيديو كليب بخبرته حين يدخل إلى عالم السينما إلا بالتقنيات الفنية كالإضاءة و أخذ الإطارات و غيرها، لكن الإحتمال وارد، لأن هناك بعض الكليبات طويلة في المدة و تشبه الفيلم القصير."
ورفض المخرج السينمائي بهيج حجيج في موقف معلن مقولة أن السينما اللبنانية ستنهض على أيدي مخرجي الفيديو كليب الذي لا علاقة له بالسينما، بل "هو مجرد عمل تجاري، تماما كالإعلان، ولكن نحن رفعنا من مقامه أكثر مما يستحق. وإذا كان مخرجو الفيديو كليب يعتبرون أن السينما سوف تنهض على أيديهم فنحن بدأنا قبلهم وفتحنا الطرق أمامهم. ميشال كمون، غسان سلهب، زياد الدويري، ونحن، لم نأتِ إلى السينما من طريق الفيديو كليب، ويجب وضع حدّ لمثل هذا الكلام. ولا يحق لأي كان أن يدعي أنه يؤسس السينما اللبنانية. ربما يحلم كل مخرج فيديو كليب بإخراج فيلم سينمائي طويل، ولكن علينا أن ننتظر لنرى النتيجة."
و تلتقي رؤية حجيج مع المخرج نبيل لبّس و غيرهم من المخرجين في قضية التمويل الذي يصعب أمر حصولهم عليه. و يعتبر حجيج أن "وزارة الثقافة تكدس المال على عكس ما تدعي، ولا أعرف أين تذهب به."

كاريكاتور


سعد حاجو

إزدواجية الخطاب المسرحي



تراجع دور النص لمصلحة الإخراج


الحديث عن المسرح يتطلب اقتحام كل أروقته و زواريبه المخفية خلف ظلال الستارة و روح المؤدي. و ترافق العمل المسرحي فكرةً ثابتةً يحاول كل من يعتنقها على الخشبة أن يتحرر منها أمام الجمهور. و المسرح بالتالي ليس إلا عالمُ صغيرُ في الحجم، بضعة أمتار خالية من الضجة الكونية، لكن قصصه تحتل مساحة أكبر و أعمق من تلك التي نواجهها و تواجهنا في الواقع. أما عن العناصر الأساسية التي يرتكز عليها عالم المسرح، تبدأ من الكاتب إلى المخرج و من ثم الممثلين بهدف إيصالها إلى الجمهور. و لكن، بتنا نلحظ في الفترة الأخيرة بروز أسماء المخرجين و غياب أسماء الكتّاب المسرحيين، و ذلك رجوعاً إلى رأيين متناقضين في هذا الإطار، الأول يعتبر أن الركيزة الأساسية للنشاط المسرحي هي العرض، و الرأي الثاني يعتبر أن النص هو الأساس. من هنا، نطرح السؤال التالي: هل يمكننا اعتبار المسرح نصاً مكتوباً أم نصاً منطوقاً؟ و هل هناك نصوص رفعها الإخراج و نصوص هبط بها؟

يلعب الإخراج دوراً كبيراً في قولبة النص الأساسي الذي كتبه المؤلف و ذلك بهدف تحويله إلى نص قابل للترجمة على خشبة المسرح. و في هذا السياق يحدثنا "أبو المسرح اللبناني" الكاتب و المخرج منير أبو دبس عن أهمية النص و علاقته بالإخراج. و الجدير بالذكر أن أبو دبس أدخل عالماً جديداً إلى المسرح اللبناني، فأسس فرقة المسرح الحديث عام 1960، و كان المشارك الأول في تأسيس مهرجانات بعلبك الدولية و مهرجانات بيت الدين، و كان له تاريخ حافل في المسرحيات التي ألفها و أخرجها مثل: "النبي" و الطوفان" و "أوديب الملك" و غيرها.. يقول: "النص له قيمته و أهميته في زمنه، و بالزمن العام، أي زمن التاريخ. و يدخل بقيمة ثانية حين يصبح فعلاً مسرحياً، و هنا يأتي دور المخرج و الممثل. المؤلف ليس مسؤولاً عن العمل المسرحي، أحياناً يُبرز المخرج و الممثلين أشياء لم يظهرها المؤلف، و أحياناً أخرى يقومون بإظهار أشياء كانت في اللاوعي عند المؤلف، لأن المؤلف كأي عمل فني لا يعرف حدود عمله." و يتابع أبو دبس: "إجمالاً المسرح المرتبط بالنص يتعثر سيره. المسرح الفرنسي متأخر شيئاً ما لأنه مرتبط بالنص، و الإعتماد الأساسي لديهم على الكلمة و على طريقة الأداء، بينما دخلت الحركة على المسرح، و التي أصبحت لغة ثانية مختلفة عن لغة الكلام، أي لغة الأدب. و عادة لا يمكننا قراءة النصوص المسرحية كأي نص آخر، لا يعرف قراءتها إلا المتخصص في هذا المجال، لأن لغة هذه النصوص أعدت كي يكمّلها الفعل المسرحي. و النص المسرحي مختلف عن الرواية التي يكمل الكاتب فيها مشهديته، بينما يشير إليها الكاتب المسرحي في نصه كي يرسمها المخرج و الممثلين على الخشبة." و اعتبر أبو دبس أن عملية اكتمال الصورة المسرحية في النص المكتوب أمر سيء، لأن "الأشياء المكتملة تحد من الخيال البعيد، و هذا النوع من النصوص لا يعيش إلا في زمنه، أما الأشياء التي تبقى هي تلك التي نخفي غالبيتها في العتم، كي تكمّلها الأجيال القادمة، فيزيدون عليها المسافات التي تعيش في خيالهم. و العمل الفني لا يكتمل إلا إذا وقفنا أمام البحر و جعلنا حدودنا من حدوده، فالذي يصنع الأعمال الفنية هو البحر و ليس الأشياء الضيقة. و نحن مجبورين في المسرح أن نستخدم الكلمة و نتحرر منها، أن نستخدم الخشبة و نتحرر منها، أن يستخدم الممثل جسده و يتحرر منه. لذا، على الممثل أن يكون أقل ما يمكن حاضراً في الظاهر و أكثر ما يمكن حاضر بالإتصال مع البحر. هذا البحر الذي يعيش بالإنسان و بالكيان الخفي، يتبع أهم مظاهر الإنسان."

منير أبو دبس 
و يؤكد الكاتب و الناقد و الممثل المسرحي عبيدو باشا على رأي أبو دبس معتبراً أن "من مشاكل كتابة النص هي أن يقدم الكاتب وجهة نظره كاملة، فيخلق إشكالية بين المؤلف و المخرج و ذلك لأن المخرج مضطر أن يغير فيها كي تصبح قابلة للعرض. و يمكن أن يكون هذا الإختلاف شيئاً إيجابياً لمصلحة المسرحية لأن إختلاف وجهتي النظر سيولدا وجهة نظر ثالثة مشتركة بين الشخصين المختلفين." و  يشير باشا إلى تراجع أهمية النص بين القرنين الثامن عشر و التاسع عشر على حساب المخرجين الذين أصبحوا نجوم العمل المسرحي لكن "هناك إستثناءات و ذلك من خلال محاولات ارتكزت على مفهوم الورشة الجماعية فيقومون بكتابة النص، و يكون عادة نصاً غير أدبي، لأن المسرح لا يبنى كثيراً على الأدب، هناك مثلاً نصوص للمؤلف جورج شحادة، مبنية على الأدب و يصعب جداً ترجمتها على المسرح، مثّلت في إحدى مسرحياته تدعى "مهاجر بريسبان"، عانينا كثيراً كي نخلق نوعاً من العلاقة البسيطة المبدئية بين الخشبة و النص. و هناك أيضًا أعمال مسرحية من دون نص، تعتمد على حركات الجسد و الإيماء و العلاقة بين الجسد و المكونات الباقية المكملة للفضاء المسرحي."
 و يتفق رأي باشا مع رأي الكاتب و المخرج و الممثل منير كسرواني الذي عمل على الكثير من المسرحيات مثل "عالحدود" و "مواطن عمومي" و "الشلمصطي" و غيرها على أن "العروض الجماعية ناجحة جداً و هي لا تقدم على الفردية و لا تسند فيها البطولة لممثل بعينه، بل التركيز يغدو على المجموعة المتحركة على المسرح ضمن أداء منظوم معبر و متناغم." و يضيف كسرواني: "و الملاحظ اليوم أن بعض العروض الحديثة قد ألغت النص المكتوب و حلت السينوغرافيا و الرقص و حركة الممثلين مكانه. و في هذه الحالة تصبح للموسيقى لغتها و للإضاءة أيضاً و لجسد الممثل و حركاته و سكناته لغة معبرة جداً."
أما عن ماهية النص المسرحي خارج نطاق الإخراج فيعتبر الممثل المسرحي رفيق على أحمد الذي يعمر تاريخه بالكثير من المسرحيات العريقة مثل "جبران و النبي" و "جرصة" و "حكم الرعيان" و غيرها أن " النص المسرحي حين يُكتب و يبقى على الورق هو نص أدبي، و يتبنّى القارئ مشاهدها في خياله بإختلاف الحالة النفسية لكل شخص. النص المسرحي لا يكتمل و لا يكون نصاً مسرحياً إذا لم يوضع على الخشبة، لأن المسرح يأخد الكلمات و الحركات و يعطيها الحياة. لكن حين نريد تحويل هذه النصوص الأدبية إلى عمل مسرحي علينا أن نأخذ من روحية الشخصيات الواردة في النص الأساسي."
و يعترف كسرواني: " أنا شخصياً عندما أكون صاحب النص و البطل في آن معاً، أتصرف كالخاتم في إصبع المخرج، و ذلك لثقتي و معرفتي بأهمية المخرج، و لأنني واثق بأنه يضيف إلى عطائي الخاص عطاءات عظيمة تعطي المسرحية دفعاً و نجاحاً."
مسرحية "صيف 840"

المخرج على خشبة المسرح
" قد يبيع مؤلف النص المسرحي نصه لمنتج ما و لهذا حق التصرف بإسناد الإخراج لمن يشاء، و العقد المبرم بينهما هو الذي يحدد طبيعة العلاقة بينهما." يقول منير كسرواني، و في الوقت عينه يؤكد على أحقية المخرج في تعديل النص حسب رؤيته بعد استلامه من الكاتب.
و يشرح أبو دبس عملية إنطلاقة الفعل الإخراجي، و يقول: " النص هو الإشارة الأولى، و تتجه الإشارات التالية نحو ذاك البحر الذي ذكرناه. هدفنا الأساسي هو البحر الذي لا حدود له، لأن عطاءه كبير، و النص ليس إلا إشارة تدلنا على الطريق. و بعدها يأتي دور المخرج و الممثل، فيرسلون إشاراتهم الخاصة، على إتفاق مع بعضهم البعض. و يحدث أحياناً خلاف بين المخرج و المؤلف لأن المؤلف يعتقد أنه حدد كل شيء، و أن المخرج غيّر تنسيق هذا التحديد. في المقابل فإن النص الأول موجه دائماً كي يصبح شيئاً آخر مختلفاً عن الأصل، و إذا حدد الكاتب تفاصيل نصه فإنه بهذا يكون قد حدد نهايته."
و يعلّق كسرواني على هذا الموضوع قائلاً: " بعض المؤلفين يعتبر نصه منزّلاً فلا يقبل أن يغير أحد فيه حرفاً واحداً، إلا بموافقته و هذا حقه ايضاً. و بعض المخرجين يشترط لإخراجه نصاً ما أن يتصرف بكامل حريته في النص. فيلغي حيث يشاء و يترك حيث يشاء، و لا يلتزم بالنص أبداً، بحيث يبدو و العرض مغايراً تماماً للأصل الذي كتب به. و هذا ايضاً ما تقرره الإتفاقية المعقودة بين المؤلف و المخرج، و ترجع المسألة إلى مدى ثقة المؤلف المسرحي بقدرة الممثل."

منير كسرواني

و يقدم رفيق علي أحمد مثالاً عن إحدى المشكلات التي حدثت بين المخرج و المؤلف و يقول: "حدثت خلافات كثيرة بين الكاتب سعدالله ونوس و المخرج جواد الأسدي في مسرحية "الإغتصاب"، الأسدي غيّر في المسرحية بعض الأشياء، فعتب ونوس عليه لأنه كان مختلفاً عن الأداء الذي صنعه الأسدي على المسرح و مع هذا نجحت المسرحية و أحبها الناس. يحق لسعدالله ونوس أن يقول: هذا ليس نصي الذي تم عرضه و هذه ليست رؤيتي. و جواد الأسدي له الحق أن يترجمها على الخشبة كما يشاء. و هذا لا يعني أن النص ضعيف و الإخراج عمل على رفعه، بل العملان يكمّلان بعضهما لينتجا عملاً ثالثاً على المسرح."
هل يرفع الإخراج من قيمة النص أو العكس؟
و عند سؤاله عن إذا كان الإخراج يرفع من قيمة النص أو العكس يجيب علي أحمد: "أحياناً يرفع الإخراج من قيمة النص الأساسي و ذلك إنطلاقاً من وجهات النظر المختلفة. و يحق للكاتب أن يعترض على رؤية المخرج في أداء النص المكتوب فيسترد نصه. هي مسألة توافق في الرؤى بين المؤلف و المخرج و الممثل بهدف إنجاح المسرحية. و أحياناً حين يريد المخرج إضافة أو حذف مشهد ما يطلب من الكاتب نفسه فعل ذلك."
و يعتبر أبو دبس أنها مسألة توافق في الرؤية الأخيرة للمسرحية بين الكاتب و المخرج "فهما اختارا بعضهما لأنهما يثقان بأعمال بعضهما و يحبون بعضهما و إلا لن ينجح العمل."
أما كسرواني فيؤكد على أهمية المخرج و يقول: "تبقى الكلمة الفصل للمخرج، و برأيي، مهم جداً أن يثق المؤلف و الممثل و المنتج و التقنيون بالمخرج." و يضيف: "بعد التجربة قيل مرات كثيرة ان بعض المخرجين لهم القدرة في رفع مستوى النص الذي يخرجونه، أمثال: يعقوب الشدراوي في "اسكندرية بحرك عجايب" و ريمون جبارة و سواهم. و هذه الفئة من المخرجين يتهافت الكتاب ليتعاملو معهم على صعيد الاخراج و أخذ المشورة."
عبيدو باشا
و يعتبر علي أحمد أن " المسرح هو فن الممثل، أي الإخراج و النص و السينوغرافيا و الإكسسوار جميعها في خدمة الممثل، لأن الممثل هو المكلف بإيصال هذا الجهد و الإبداع إلى الجمهور. و هناك رأي يقول أننا إذا انهمكنا بالتحضيرات اللوجستية و الديكور و غيرها فإنها من دون قيمة إذا لم يظهر هذا الممثل على الخشبة و يبدأ بالكلام، هنا يكتمل العمل المسرحي، و يكفي أن يقف شخص واحد على بساط صغير و يبدأ بالكلام و الحركة، و يجتمع الناس حوله ليكتمل العمل المسرحي، إذاً المسرح هو الإنسان – الممثل." و يضيف: "الممثل لديه معاناة كبيرة كي يدرس الشخصية التي يمثلها و يفتش عن مكامنها كي يدرك ماذا يريد أن يوصل من خلالها و ما هي معاناتها و ذلك بالتواصل مع الجمهور. و المخرج هو من يختار الممثلين، أما الكاتب فيقتصر دوره على كتابة النص. المخرج يصنع نصاً آخر مختلفاً عن النص الأساسي، يتلقى الإشارة الأولى من النص الأساسي حتى يصبح معد للتمثيل."
رفيق علي أحمد

و يختلف باشا مع علي أحمد في الرأي مشيراً إلى أن "هناك مخرجين يعتمدون على الممثل، إذا كان لدينا ممثلون في الأصل، لدي شكوك تجاه هذا الموضوع، أنا برأي أن القليل من الناس في العالم العربي يعرفون معنى التمثيل. التمثيل هو أن نكسر شخصيتنا بهدف بناء شخصية أخرى، لدينا أشخاص ينطقون بالنصوص التي بين أيديهم، و يضيفون عليها بعض المشاعر كي تكتمل الحركة، لا أكثر."
و اتفق كسرواني و باشا على المخرجين الذين لمعوا في عالم المسرح أمثال: منير أبو دبس، يعقوب الشدرواي، أنطوان و لطيفة ملتقى، و ريمون جبارة. أما عن المسرحيات التي تميزت في عالم المسرح فيشير  أبو دبس إلى أنه  "في تاريخ المسرح ككل أي منذ ألفي سنة يوجد 200 أو 300 مسرحية جديرة بالذكر"، و أشار إلى  مسرحية أعجيته شاهدها  عام 1959 لشكسبير في باريس، مثلها لورنس أوليفييه و فيفيان لي.
و قدم باشا بعض المسرحيات اللبنانية التي كانت على قدر عال من الكفاءة و الجودة مثل: "مجدولين، أيام الخيام، الأمير الأحمر، أبو علي الأسمراني، الكوخ المسحور، بيكنيك و خطوط التماس، سبعة على بواب طيبا و غيرها.."
و يختم منير أبو دبس قائلاً: "إذا وضع المؤلف نفسه أمام هذا البحر يصبح الكلام الذي يريد إيصاله واسعاً، لأنه جاء من مكان واسع. حتى المتفرج يذهب إلى خياله. لماذا يسعى البعض إلى إغلاق و حد هذا الخيال؟! يجب أن نجعل المتفرج يشعر أنه هو من يقوم بالعمل لا أن نفعله عنه، و الأمر ينطبق كذلك على المؤلف، عليه أن يترك العمل للمخرج و الممثلين، لا أن يعمل عنهم، و يكمل الصورة التي يريد إيصالها بنصه، و إلا لن يكونوا إلا مرددين لكلماته. و لا أحد يحق له أن يحد الرؤية البعيدة لدى الجمهور، و الشيء الوحيد الذي يخدم هذا الموضوع هو الموسيقى، لأنها خالية من ثقل الكلمة و خارجة عن أي قيد."