رائد قصيدة النثر تحدث إلى "لمار" عن تجربته مع الكلمة و الحب
"الحب"،
كررها عند كل سكون لأخذ النَفَس، بل هو في رأيه سببٌ للغياب عن الزمن، أكثر من
خمسين عاماً. أن نطلق عليه لقب شاعر "الحب و المرأة" شيء تقليدي، اعتاده
ربما. هو "شاعر" بالحب، فامتثلت القصيدة. عاشق للمرأة، فرسمت الكلمات
عند انعطافها الأنثوي خصراً ناعماً. هو شاعر النفي بالدرجة الأولى، خطّ أولى
قصائده على بساط الكفّ، حين قال في مقدمة ديوانه الأول "لن":
"النثر محلول و مرخيّ، متفرّق و مبسوط كالكف، و ليس شد أطرافه إلا من باب
التفنن ضمنه". انتقى من الأسماء ما أحب، و من الشعر ما خرج عن القيد، فرفع
إسم "قصائد النثر" على شعره. صدم الكثير من أهل اللغة العربية، لأنه
تخطى المألوف لديها، و عانق الكفّ الآخر تعبيراً عن اكتمال "طبخته"
الشعرية، و التي كان لها طعمٌ جديدٌ جميل. أسعفه الجمال كي يعيش الزمن سعيدًا،
أحبّ الغزال، فغازل الحب. كره الصيادين فأبعد البنادق عن وحيه. جلس على ضفة
الجدول، فرفعت الحياة عنه قوانينها. صنع من الذهب قصيدة، و لم يفعل بالوردة سوى
الحب، حتى وصف نفسه كالنحل، يتنقل حرًا من زهرة إلى أخرى، يعبث بأنوثتهنّ من خلال
شعره المعسول، يأخذ بعضًا من رحيقهنّ، و يرحل.
يحدثنا الشاعر أنسي الحاج بإسهاب في مقابلة
أجرتها مجلة "لمار" عن تجربته مع الحب و المرأة و الشعر، و هو الذي يغيب
دائماً عن المقابلات الصحافية.
- بالعودة
قليلاً إلى الوراء، كيف تعبر عن بداياتك و تربيتك الشعرية؟ و هل تذكر أول شعر
كتبته؟
لا أذكر أول بيت كتبته،
أذكر الظروف التي بدأت الكتابة بها. لم أكن أعرف إن كان ما أكتبه شعراً أم لا،
وجدت نفسي أمارس عملية تعبير مطابقة لإيقاعي النفسي. كانت كتاباتي عبارة عن ترجمة
للطريقة الطبيعية التي أتكلم بها و أفكر و أتنفس من خلالها، بدون نظرية خلفي.
بدأت الكتابة حين كنت على
مقاعد الدراسة، كان عمري 16 عاماً تقريباً. كنت شحيح الثقافة، كان لي بعض
المحاولات، نشرت جانباً منها في مجلات أدبية شهرية، لم تكن تنشر لكتّاب صغار في
السن، لذا لم أجرؤ على الذهاب إلى إدارتها لأسلمهم مقالاتي بنفسي، و كنت ألجأ إلى
موظف يعمل في جريدة "صوت الأحرار"، التي عمل فيها شقيقي عدلي أيضاً، و
الذي كان له فضل كبير في مسيرتي إذ كان يشجعني دائماً. كان الموظف يطبع نصوصي على
آلة "الدكتيلو" كي لا يروا خطي و يلاحظوا صغر سني.
في تلك الفترة لم أنشر
شعراً، كنت أرى أن كتاباتي الشعرية حميمية و مليئة بالـ "أنا"، أما
النصوص التي كنت أنشرها في الغالب لم تكن ذاتية بل كانت في معظمها أبحاثاً، كنت
أعتبرها نوعاً من الحجاب.
و لما بدأت في نشر
كتاباتي الذاتية كانت لدي في الغالب شخصية إستعراضية تافهة، سعيت إلى حرقها عبر
العمر. كانت تظهر حين أكون بمنتهى الإستهتار، و لكن في معظم الأحيان كان لدي رقيب
عليها، حتى وصل القمع الذاتي حد محاولة اجتثاث كلمة "أنا" في مقالاتي.
لست معتاداً أن أكتب كما أكتب الآن، إذ نادراً ما أكتب الآن عن
الـ"أنا". غلب عندي الخجول المسحوق.
- هل أحسست - ذات مرّة - أنّ الشعر خذلك، فلم يستجب لك
للتعبير عن قضية شغلتك أو اهتممت بها، و بالصورة التي تريد و ترغب ؟
دائماً. ما الذي لا
يخذلنا؟ حتى بمجرد أن نحصل على مرادنا يخذلنا.
علاقتي
بالناس تغيرت لأن الشفقة طحنتني مع العمر
-هل
تقنعك الكتابة الأولى للقصيدة أم تعيد النظر فيها مرات لتنحت صورةً أحلى أو تصوغ
فكرةً بلغةٍ أمتن وأقوى؟
أحياناً
أعيد النظر في كتابات المرة الأولى. و هناك كتابات من المرة الأولى نشرتها و لم
أغير فيها. في داخلي ناقد هدّام يمالئني قأقلق، و يهاجمني فأرتاح. قاتل الله
الوعي! بدونه ننكشف و معه نختنق.
لا
أثق بالقول العفوي الأول، و ليس لأنه لا يصح، بل لأنه يصح أخافه، لأنه يضعني حين
أعود لحالتي الواقعية في مواضع لا أستطيع أن أتحمل تبعاتها. في كتاب
"لن" الكثير من القصائد التي تركتها في كتابتها الأولى، لذلك أتحاشى
إعادة قراءة هذا الكتاب.
عموماً،
في الكتاب لا أراقب نفسي كثيراً، لأنني أعتبره محراباً، لي في حماه كل الحرية. لكن
الجريدة ليست ملكي، لذا أنا مضطر أن أكون فيها كما أكون في منزل مع آخرين، هنا
أتوجه إلى 3 أنواع من القراء: قارئ لا يعرفني، و قارئ ضدي، و قارئ ينتظر مني
شيئاً. لا أعطي القارئ من المكان الذي ينتظر مني أن أعطيه، بل آتيه من مكان آخر.
علاقتي بالناس تغيرت، كنت متوحشاً، قليل الرحمة، أقرب إلى السادية، أحب أن أنعر،
لكن الشفقة طحنتني مع العمر.
- هل
هذا جزء من التجديد لديك؟
جزء
من التراجع ربما، لا أدري. واقعي الآن هكذا، حتى في الحب أرى قسوة، أتمنى أن
نستطيع التجرد منها.
- في
العديد من مقالاتك كان بودلير يلازمك، ما مدى ملازمة شاعر لشاعر سبقه في الزمن و
التجربة و ترك ظلّه يفيء إليه من أراد؟
لا
أحبه لقصائده فقط، أحبه في كل ما كتب، بما في ذلك مقالاته النقدية، الأدبية و
التشكيلية، و حتى نقده الموسيقي. و له كتاب يوميات أسرني لأنه خال من الصنعة، و
يبلغ أحياناً حداً لا يمكن تصوره برؤية الذات كما هي.
بودلير
حمل موته طوال حياته، أصيب في شبابه بمرض السفلس جراء علاقة مع امرأة. عاش موته
يومياً على مدى ربع قرن، بكل وعيه. يحتاج الكاتب إلى شحنة كبيرة من الصدق ليكتب في
يومياته: "اليوم أحسست بجناح العته يلفحني."
- هل هذا يشبه ما
كتبه عباس بيضون في "مرايا فرانكنشتاين"؟
بالتأكيد.
في مواضع من كتابه تجاوز هذا الحد من الصدق. عباس بيضون رجل عظيم، لا إبداعياً
فقط، بل على صعيد الأخلاق. متصالح مع نفسه، يقول الأشياء بدفقها الإعترافي الدافئ،
خالية من الإستعراضية. هذه فضيلة أخلاقية عظيمة لا فضيلة أدبية فحسب.
- أطلق الشاعر محمود درويش على ديوانه الأخير عنوان
"لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي". برأيك، ومن خلال تجربتك، هل من قصيدة
تنتهي؟ هل تجد أنك قلتَ فيها كلّ ما عليك قوله وباللغة التي تقنعك والسبك النهائي
المُرضي؟
لا
شيء ينهي القول كله. أعتقد أن محمود درويش لا يريد لهذه القصيدة بالتحديد أن
تنتهي، و ربما كان يقصد أنه لا يريد لحياته أن تنتهي. كان من الممكن أن يقول
أيضاً: هذه القصيدة لا تنتهي، أو لن تنتهي.
القصيدة
لا تنتهي. المسرحية، الرواية، القصة، الحب، الوصال، نهاياتها بدايات. الشاعر
ينتهي، لكن شعره لا ينتهي، مع أن الشاعر أحياناً يكون أجمل من شعره.
أتمنى أن يعاود شبابنا اليوم كتابة الشعر
الموزون
- كان لك تجربة في القصيدة الموزونة، قصيدة «الذئب»، في
ديوان «ماذا صنعتَ بالذهب ماذا فعلتَ بالوردة»، موزونة بالكامل ومقفّاة على تفعيلة
بحر الرجز. ما الذي دفعك إلى كتابتها و لماذا لم تكرر محاولتك في كتابة قصائد
موزونة؟
أحب
أن أسمع شعرًا موزوناً لأنه يخدّر و يطرب و يهدهد الذاكرة، أحياناً مصادفات
القافية تحمل إبداعات مذهلة، و تحدث كشفاً رائعاً، و هي من شيم القيود. أنا لجأت
إلى النثر لأنه يناسب طبعي، ألحق بفكرة ثابتة و أسعى أن أتحرر منها. هذه الأشياء
لا يستطيع أن يتحملها الوزن، لأنه دكتاتوري. لكني لم أحاول تحطيم قصائد الوزن كما
نسب إلي. كتبت قصائد نثر لإضافة نوع من أنواع الشعر و ليس بهدف إحلال نوع محل آخر.
تراث الأدب العربي يحمل روائع َ في الوزن، و أنا أحببت أن أعطي مكانًا متواضعًا
لشيء لم يكن لديه مكان شرعي هو قصيدة النثر.
لم أعاود كتابة قصائد موزونة لأني لست مطبوعاً
لها.



No comments:
Post a Comment