Friday, July 1, 2011

إزدواجية الخطاب المسرحي



تراجع دور النص لمصلحة الإخراج


الحديث عن المسرح يتطلب اقتحام كل أروقته و زواريبه المخفية خلف ظلال الستارة و روح المؤدي. و ترافق العمل المسرحي فكرةً ثابتةً يحاول كل من يعتنقها على الخشبة أن يتحرر منها أمام الجمهور. و المسرح بالتالي ليس إلا عالمُ صغيرُ في الحجم، بضعة أمتار خالية من الضجة الكونية، لكن قصصه تحتل مساحة أكبر و أعمق من تلك التي نواجهها و تواجهنا في الواقع. أما عن العناصر الأساسية التي يرتكز عليها عالم المسرح، تبدأ من الكاتب إلى المخرج و من ثم الممثلين بهدف إيصالها إلى الجمهور. و لكن، بتنا نلحظ في الفترة الأخيرة بروز أسماء المخرجين و غياب أسماء الكتّاب المسرحيين، و ذلك رجوعاً إلى رأيين متناقضين في هذا الإطار، الأول يعتبر أن الركيزة الأساسية للنشاط المسرحي هي العرض، و الرأي الثاني يعتبر أن النص هو الأساس. من هنا، نطرح السؤال التالي: هل يمكننا اعتبار المسرح نصاً مكتوباً أم نصاً منطوقاً؟ و هل هناك نصوص رفعها الإخراج و نصوص هبط بها؟

يلعب الإخراج دوراً كبيراً في قولبة النص الأساسي الذي كتبه المؤلف و ذلك بهدف تحويله إلى نص قابل للترجمة على خشبة المسرح. و في هذا السياق يحدثنا "أبو المسرح اللبناني" الكاتب و المخرج منير أبو دبس عن أهمية النص و علاقته بالإخراج. و الجدير بالذكر أن أبو دبس أدخل عالماً جديداً إلى المسرح اللبناني، فأسس فرقة المسرح الحديث عام 1960، و كان المشارك الأول في تأسيس مهرجانات بعلبك الدولية و مهرجانات بيت الدين، و كان له تاريخ حافل في المسرحيات التي ألفها و أخرجها مثل: "النبي" و الطوفان" و "أوديب الملك" و غيرها.. يقول: "النص له قيمته و أهميته في زمنه، و بالزمن العام، أي زمن التاريخ. و يدخل بقيمة ثانية حين يصبح فعلاً مسرحياً، و هنا يأتي دور المخرج و الممثل. المؤلف ليس مسؤولاً عن العمل المسرحي، أحياناً يُبرز المخرج و الممثلين أشياء لم يظهرها المؤلف، و أحياناً أخرى يقومون بإظهار أشياء كانت في اللاوعي عند المؤلف، لأن المؤلف كأي عمل فني لا يعرف حدود عمله." و يتابع أبو دبس: "إجمالاً المسرح المرتبط بالنص يتعثر سيره. المسرح الفرنسي متأخر شيئاً ما لأنه مرتبط بالنص، و الإعتماد الأساسي لديهم على الكلمة و على طريقة الأداء، بينما دخلت الحركة على المسرح، و التي أصبحت لغة ثانية مختلفة عن لغة الكلام، أي لغة الأدب. و عادة لا يمكننا قراءة النصوص المسرحية كأي نص آخر، لا يعرف قراءتها إلا المتخصص في هذا المجال، لأن لغة هذه النصوص أعدت كي يكمّلها الفعل المسرحي. و النص المسرحي مختلف عن الرواية التي يكمل الكاتب فيها مشهديته، بينما يشير إليها الكاتب المسرحي في نصه كي يرسمها المخرج و الممثلين على الخشبة." و اعتبر أبو دبس أن عملية اكتمال الصورة المسرحية في النص المكتوب أمر سيء، لأن "الأشياء المكتملة تحد من الخيال البعيد، و هذا النوع من النصوص لا يعيش إلا في زمنه، أما الأشياء التي تبقى هي تلك التي نخفي غالبيتها في العتم، كي تكمّلها الأجيال القادمة، فيزيدون عليها المسافات التي تعيش في خيالهم. و العمل الفني لا يكتمل إلا إذا وقفنا أمام البحر و جعلنا حدودنا من حدوده، فالذي يصنع الأعمال الفنية هو البحر و ليس الأشياء الضيقة. و نحن مجبورين في المسرح أن نستخدم الكلمة و نتحرر منها، أن نستخدم الخشبة و نتحرر منها، أن يستخدم الممثل جسده و يتحرر منه. لذا، على الممثل أن يكون أقل ما يمكن حاضراً في الظاهر و أكثر ما يمكن حاضر بالإتصال مع البحر. هذا البحر الذي يعيش بالإنسان و بالكيان الخفي، يتبع أهم مظاهر الإنسان."

منير أبو دبس 
و يؤكد الكاتب و الناقد و الممثل المسرحي عبيدو باشا على رأي أبو دبس معتبراً أن "من مشاكل كتابة النص هي أن يقدم الكاتب وجهة نظره كاملة، فيخلق إشكالية بين المؤلف و المخرج و ذلك لأن المخرج مضطر أن يغير فيها كي تصبح قابلة للعرض. و يمكن أن يكون هذا الإختلاف شيئاً إيجابياً لمصلحة المسرحية لأن إختلاف وجهتي النظر سيولدا وجهة نظر ثالثة مشتركة بين الشخصين المختلفين." و  يشير باشا إلى تراجع أهمية النص بين القرنين الثامن عشر و التاسع عشر على حساب المخرجين الذين أصبحوا نجوم العمل المسرحي لكن "هناك إستثناءات و ذلك من خلال محاولات ارتكزت على مفهوم الورشة الجماعية فيقومون بكتابة النص، و يكون عادة نصاً غير أدبي، لأن المسرح لا يبنى كثيراً على الأدب، هناك مثلاً نصوص للمؤلف جورج شحادة، مبنية على الأدب و يصعب جداً ترجمتها على المسرح، مثّلت في إحدى مسرحياته تدعى "مهاجر بريسبان"، عانينا كثيراً كي نخلق نوعاً من العلاقة البسيطة المبدئية بين الخشبة و النص. و هناك أيضًا أعمال مسرحية من دون نص، تعتمد على حركات الجسد و الإيماء و العلاقة بين الجسد و المكونات الباقية المكملة للفضاء المسرحي."
 و يتفق رأي باشا مع رأي الكاتب و المخرج و الممثل منير كسرواني الذي عمل على الكثير من المسرحيات مثل "عالحدود" و "مواطن عمومي" و "الشلمصطي" و غيرها على أن "العروض الجماعية ناجحة جداً و هي لا تقدم على الفردية و لا تسند فيها البطولة لممثل بعينه، بل التركيز يغدو على المجموعة المتحركة على المسرح ضمن أداء منظوم معبر و متناغم." و يضيف كسرواني: "و الملاحظ اليوم أن بعض العروض الحديثة قد ألغت النص المكتوب و حلت السينوغرافيا و الرقص و حركة الممثلين مكانه. و في هذه الحالة تصبح للموسيقى لغتها و للإضاءة أيضاً و لجسد الممثل و حركاته و سكناته لغة معبرة جداً."
أما عن ماهية النص المسرحي خارج نطاق الإخراج فيعتبر الممثل المسرحي رفيق على أحمد الذي يعمر تاريخه بالكثير من المسرحيات العريقة مثل "جبران و النبي" و "جرصة" و "حكم الرعيان" و غيرها أن " النص المسرحي حين يُكتب و يبقى على الورق هو نص أدبي، و يتبنّى القارئ مشاهدها في خياله بإختلاف الحالة النفسية لكل شخص. النص المسرحي لا يكتمل و لا يكون نصاً مسرحياً إذا لم يوضع على الخشبة، لأن المسرح يأخد الكلمات و الحركات و يعطيها الحياة. لكن حين نريد تحويل هذه النصوص الأدبية إلى عمل مسرحي علينا أن نأخذ من روحية الشخصيات الواردة في النص الأساسي."
و يعترف كسرواني: " أنا شخصياً عندما أكون صاحب النص و البطل في آن معاً، أتصرف كالخاتم في إصبع المخرج، و ذلك لثقتي و معرفتي بأهمية المخرج، و لأنني واثق بأنه يضيف إلى عطائي الخاص عطاءات عظيمة تعطي المسرحية دفعاً و نجاحاً."
مسرحية "صيف 840"

المخرج على خشبة المسرح
" قد يبيع مؤلف النص المسرحي نصه لمنتج ما و لهذا حق التصرف بإسناد الإخراج لمن يشاء، و العقد المبرم بينهما هو الذي يحدد طبيعة العلاقة بينهما." يقول منير كسرواني، و في الوقت عينه يؤكد على أحقية المخرج في تعديل النص حسب رؤيته بعد استلامه من الكاتب.
و يشرح أبو دبس عملية إنطلاقة الفعل الإخراجي، و يقول: " النص هو الإشارة الأولى، و تتجه الإشارات التالية نحو ذاك البحر الذي ذكرناه. هدفنا الأساسي هو البحر الذي لا حدود له، لأن عطاءه كبير، و النص ليس إلا إشارة تدلنا على الطريق. و بعدها يأتي دور المخرج و الممثل، فيرسلون إشاراتهم الخاصة، على إتفاق مع بعضهم البعض. و يحدث أحياناً خلاف بين المخرج و المؤلف لأن المؤلف يعتقد أنه حدد كل شيء، و أن المخرج غيّر تنسيق هذا التحديد. في المقابل فإن النص الأول موجه دائماً كي يصبح شيئاً آخر مختلفاً عن الأصل، و إذا حدد الكاتب تفاصيل نصه فإنه بهذا يكون قد حدد نهايته."
و يعلّق كسرواني على هذا الموضوع قائلاً: " بعض المؤلفين يعتبر نصه منزّلاً فلا يقبل أن يغير أحد فيه حرفاً واحداً، إلا بموافقته و هذا حقه ايضاً. و بعض المخرجين يشترط لإخراجه نصاً ما أن يتصرف بكامل حريته في النص. فيلغي حيث يشاء و يترك حيث يشاء، و لا يلتزم بالنص أبداً، بحيث يبدو و العرض مغايراً تماماً للأصل الذي كتب به. و هذا ايضاً ما تقرره الإتفاقية المعقودة بين المؤلف و المخرج، و ترجع المسألة إلى مدى ثقة المؤلف المسرحي بقدرة الممثل."

منير كسرواني

و يقدم رفيق علي أحمد مثالاً عن إحدى المشكلات التي حدثت بين المخرج و المؤلف و يقول: "حدثت خلافات كثيرة بين الكاتب سعدالله ونوس و المخرج جواد الأسدي في مسرحية "الإغتصاب"، الأسدي غيّر في المسرحية بعض الأشياء، فعتب ونوس عليه لأنه كان مختلفاً عن الأداء الذي صنعه الأسدي على المسرح و مع هذا نجحت المسرحية و أحبها الناس. يحق لسعدالله ونوس أن يقول: هذا ليس نصي الذي تم عرضه و هذه ليست رؤيتي. و جواد الأسدي له الحق أن يترجمها على الخشبة كما يشاء. و هذا لا يعني أن النص ضعيف و الإخراج عمل على رفعه، بل العملان يكمّلان بعضهما لينتجا عملاً ثالثاً على المسرح."
هل يرفع الإخراج من قيمة النص أو العكس؟
و عند سؤاله عن إذا كان الإخراج يرفع من قيمة النص أو العكس يجيب علي أحمد: "أحياناً يرفع الإخراج من قيمة النص الأساسي و ذلك إنطلاقاً من وجهات النظر المختلفة. و يحق للكاتب أن يعترض على رؤية المخرج في أداء النص المكتوب فيسترد نصه. هي مسألة توافق في الرؤى بين المؤلف و المخرج و الممثل بهدف إنجاح المسرحية. و أحياناً حين يريد المخرج إضافة أو حذف مشهد ما يطلب من الكاتب نفسه فعل ذلك."
و يعتبر أبو دبس أنها مسألة توافق في الرؤية الأخيرة للمسرحية بين الكاتب و المخرج "فهما اختارا بعضهما لأنهما يثقان بأعمال بعضهما و يحبون بعضهما و إلا لن ينجح العمل."
أما كسرواني فيؤكد على أهمية المخرج و يقول: "تبقى الكلمة الفصل للمخرج، و برأيي، مهم جداً أن يثق المؤلف و الممثل و المنتج و التقنيون بالمخرج." و يضيف: "بعد التجربة قيل مرات كثيرة ان بعض المخرجين لهم القدرة في رفع مستوى النص الذي يخرجونه، أمثال: يعقوب الشدراوي في "اسكندرية بحرك عجايب" و ريمون جبارة و سواهم. و هذه الفئة من المخرجين يتهافت الكتاب ليتعاملو معهم على صعيد الاخراج و أخذ المشورة."
عبيدو باشا
و يعتبر علي أحمد أن " المسرح هو فن الممثل، أي الإخراج و النص و السينوغرافيا و الإكسسوار جميعها في خدمة الممثل، لأن الممثل هو المكلف بإيصال هذا الجهد و الإبداع إلى الجمهور. و هناك رأي يقول أننا إذا انهمكنا بالتحضيرات اللوجستية و الديكور و غيرها فإنها من دون قيمة إذا لم يظهر هذا الممثل على الخشبة و يبدأ بالكلام، هنا يكتمل العمل المسرحي، و يكفي أن يقف شخص واحد على بساط صغير و يبدأ بالكلام و الحركة، و يجتمع الناس حوله ليكتمل العمل المسرحي، إذاً المسرح هو الإنسان – الممثل." و يضيف: "الممثل لديه معاناة كبيرة كي يدرس الشخصية التي يمثلها و يفتش عن مكامنها كي يدرك ماذا يريد أن يوصل من خلالها و ما هي معاناتها و ذلك بالتواصل مع الجمهور. و المخرج هو من يختار الممثلين، أما الكاتب فيقتصر دوره على كتابة النص. المخرج يصنع نصاً آخر مختلفاً عن النص الأساسي، يتلقى الإشارة الأولى من النص الأساسي حتى يصبح معد للتمثيل."
رفيق علي أحمد

و يختلف باشا مع علي أحمد في الرأي مشيراً إلى أن "هناك مخرجين يعتمدون على الممثل، إذا كان لدينا ممثلون في الأصل، لدي شكوك تجاه هذا الموضوع، أنا برأي أن القليل من الناس في العالم العربي يعرفون معنى التمثيل. التمثيل هو أن نكسر شخصيتنا بهدف بناء شخصية أخرى، لدينا أشخاص ينطقون بالنصوص التي بين أيديهم، و يضيفون عليها بعض المشاعر كي تكتمل الحركة، لا أكثر."
و اتفق كسرواني و باشا على المخرجين الذين لمعوا في عالم المسرح أمثال: منير أبو دبس، يعقوب الشدرواي، أنطوان و لطيفة ملتقى، و ريمون جبارة. أما عن المسرحيات التي تميزت في عالم المسرح فيشير  أبو دبس إلى أنه  "في تاريخ المسرح ككل أي منذ ألفي سنة يوجد 200 أو 300 مسرحية جديرة بالذكر"، و أشار إلى  مسرحية أعجيته شاهدها  عام 1959 لشكسبير في باريس، مثلها لورنس أوليفييه و فيفيان لي.
و قدم باشا بعض المسرحيات اللبنانية التي كانت على قدر عال من الكفاءة و الجودة مثل: "مجدولين، أيام الخيام، الأمير الأحمر، أبو علي الأسمراني، الكوخ المسحور، بيكنيك و خطوط التماس، سبعة على بواب طيبا و غيرها.."
و يختم منير أبو دبس قائلاً: "إذا وضع المؤلف نفسه أمام هذا البحر يصبح الكلام الذي يريد إيصاله واسعاً، لأنه جاء من مكان واسع. حتى المتفرج يذهب إلى خياله. لماذا يسعى البعض إلى إغلاق و حد هذا الخيال؟! يجب أن نجعل المتفرج يشعر أنه هو من يقوم بالعمل لا أن نفعله عنه، و الأمر ينطبق كذلك على المؤلف، عليه أن يترك العمل للمخرج و الممثلين، لا أن يعمل عنهم، و يكمل الصورة التي يريد إيصالها بنصه، و إلا لن يكونوا إلا مرددين لكلماته. و لا أحد يحق له أن يحد الرؤية البعيدة لدى الجمهور، و الشيء الوحيد الذي يخدم هذا الموضوع هو الموسيقى، لأنها خالية من ثقل الكلمة و خارجة عن أي قيد."

No comments:

Post a Comment