Friday, July 1, 2011

إسكندر حبش: بعض الترجمات الأدبية فضائح

المترجم الأدبي ليس مترجماً في الدوائر العقارية و حركة الترجمة تتحسن



من العسير جداً أن نجد تعريفاً جامعاً للترجمة، فهي فن وإبداع كما الشعر فن وإبداع، إذ لا يكفي نقل صورة أو كلمة مقارنة بصورة وكلمة أخرى في لغة ثانية. وهذا ما ينطبق على الترجمة الأدبية، وخاصة الشعرية منها، عكس الترجمة العلمية أو السياسية، فمن الممكن التحكم بالكلمات حسب ثقافة المترجم اللغوية والنحوية. و بين المترجم الأدبي و المترجم المهني فروق كبيرة، و لفعل الترجمة ذاته أصول و إتجاهات. يحدثنا الشاعر و الكاتب و المترجم و الصحافي إسكندر حبش في مقابلة أجرتها مجلة "لمار" عن ماهية الأدب المترجم، صوره و مناخاته و العوامل المؤثرة عليه.



-كيف تعبر عن حركة الترجمة في العالم العربي اليوم؟

أعتقد أن حركة الترجمة اليوم أفضل مما كانت عليه في فترة الأربعينات و الستينات من القرن الماضي. أصبح هناك نهضة ترجمية، إذ ترجم الأدب العالمي كله تقريباً إلى اللغة العربية. أما بين الثمانينات و التسعينات فلم تكن الفترة جيدة لعدة أسباب، منها إرتفاع سعر الكتاب و بدل الترجمة. لكن في  بداية العام 2000 انضمّ العديد من البلدان العربية لمشروع الأنيسكو للحفاظ على حقوق المؤلف، أي لم يعد بالمستطاع ترجمة كتب دون الحصول على حقوق الترجمة، فنشأت الكثير من المنظمات في العالم العربي مثل المنظمة العربية للترجمة ومشروع الشيخ راشد آل مكتوم، و العديد من دور النشر التي تعمل على ترجمة الكتب. و هناك العديد من البلدان اليوم تدعم مشاريع ترجمية، و التي أثرت على طريقة الدفع أو بدل الترجمة، فأصبح هناك أسعار مقبولة بفترة كانت الأسعار منخفضة.



-هل هناك قيود مفروضة على المترجم؟

المشكلة من عدة أجزاء و من عدة وجوه، قضية الرقابة أولاً، فالمنظمات الحكومية لا تسمح بترجمة أي كتاب إن لم تكن مطلعة على مضمونه. و هذا يسهل على المترجم عدم اختيار كتب ممكن أن تعترض عليها الرقابة أو تمنعها من التداول. و لكن هذا يسبب مشكلة كبرى هي أننا لم نعد نترجم كل شيء يستحق الترجمة.

و هناك دور نشر في أوروبا لا تسمح لكتبها أن تترجم للغة العربية لعدة أسباب، أولها أنهم يعلنون عن طباعة 2000 نسخة من كتاب معين، فيقومون بترجمة الكتاب و يبيعون منه 20 ألف نسخة من دون علم أحد بذلك، و هذا يؤثر سلباً، لأن قانون الترجمة يفرض تحديد عدد النسخات في كل طبعة، وإذا أرادوا أن يزيدوا عدد الطبعات، فيتوجب عليهم دفع حقوق إضافية، و لم يستطيعوا حتى الآن ضبط هذه المشكلة بشكل فعلي. وهناك كتّاب يرفضون أن تترجم كتبهم، و هذا ما حصل معي شخصياً حين أردت ترجمة كتاب للكاتب الأفغاني عتيق رحيمي إلى اللغة العربية، و الذي يتحدث عن طالبان، فخاف المؤلف أن ينتشر الكتاب كثيراً و يسبب مشاكل له.



-هل بإمكان المترجم الأدبي أن يضيف أو يحذف من القصيدة أو النص ما يراه مناسباً؟ و هل يحتم ذلك الإستئذان من الكاتب نفسه؟

هناك مترجمين يضيفون و يحذفون فقرات من الكتاب الأصلي، الأمر الذي يتطلب بالتأكيد موافقة الكاتب نفسه، و لكن، يمكنهم القيام بذلك شرط الحفاظ على المعنى الذي قصد المؤلف إيصاله. لكن الكثير من المترجمين يطبقون تعديلاتهم الشخصية على الكتاب و أحياناً تكون مليئة بالأخطاء اللغوية أو يغيرون في المعنى، و لا يدري فيها المؤلف.



- ما هي المقاييس التي يجب على المترجم اعتمادها في ترجمة الشعر؟

برأي، لا يوجد مقاييس للترجمة. هناك أشياء بديهية يجب احترامها لكن لا يوجد قاعدة عامة، الأساس هو لغة الإستقبال، و الكفاءة في الكتابة باللغة المترجم إليها. و الأهم من هذا إحترام فكرة النص حين ننقلها من لغة إلى أخرى.



- يشير البعض إلى أن الترجمة الأدبية تحتاج إلى التذوق ودخول خيال الكاتب في النص سواء كان شاعراً أو قاصاً أو روائياً، هل هذا يؤدي إلى صراع المترجم مع نفسه بين أن ينقل القصيدة الى لغتها الجديدة وبين مكنوناته الشعرية في تقمص شخصية الشاعر الأصلي أو ربما الهروب بالنص الى ناصية الشعرية باللغة المترجم إليها، حين يتخلى الكثير من المترجمين عن القاموس وخاصة إذا وصل النص الى قلب وخيال المترجم؟ و هل على مترجم الشعر أو النصوص الأدبية أن يكون أديباً كذلك ؟

بالتأكيد، المترجم الشاعر الذي يترجم الشعر أفضل من المترجم غير الشاعر و كذلك الأمر ينطبق على ترجمة القصص و الروايات و المسرحيات، أو إذا كان كتاباً علمياً الأفضل أن يكون المترجم ملمّاً بالقضايا العلمية. لكن هناك أيضاً أشياء تقنية غير متوفرة للجميع، و هنا يجب الإشارة إلى مشكلة وهي أن أغلب الجامعات لدينا، كليات الترجمة تحديداً، لا تخرّج مترجمين أدبيين محترفين.

وفي ما يتعلق بخيال الكاتب فالنص الذي نترجمه نشعر أنه ملكنا، لا أترجم نصاً لا أشعر بأنه قريب مني، لأني أختار النصوص التي هي على تماس معي، و إلا أصبحت كالمترجم المحلّف في الدوائر العقارية.



- اللغة العربية هي من اللغات القليلة التي تقدم الفعل على الاسم، هل هذا يصعب من عملية الترجمة اليها؟ و هل صرامة قواعد النحو والصرف عائق في بناء النص المترجم؟

لا يصعّب، تقبّلت اللغة العربية أن نقدم الفاعل قبل الفعل في الجملة باللغة الأجنبية. و كثيراً ما يتبعون هذه الطريقة في الكتابات الصحافية، لكني شخصياً أرفض هذا الشيء، أفضل أن أكتب الجملة العربية بقواعدها الأصلية مع كل المشكلات التي تعترضني بالترجمة، لكني أفضل المحافظة على اللغة العربية حتى لو اضطررت إلى استعمال كلمات غير مفهومة بالعربية، و التي أعود إليها عبر القاموس و أفسرها في آخر المقال.

- هل الاختلاف في الخيال بين الرجل والمرأة  يزيد من صعوبة الترجمة؟ فمثلا حين يكون النص لشاعرة تصف به تجربة شخصية كانت قد مرت بها فربما تكون الشاعرة المترجمة أكثر مهارة من الشاعر المترجم في الولوج الى خيال الشاعرة الأجنبية، ما رأيك؟

لنعود إلى فرويد هنا، إذ يقول أن في داخل كل شخص منّا جانباً أنثوياً و جانباً ذكوري،  فربما حين أترجم نصاً لكاتبة يغلب الجانب الأنثوي لدي. و لكن بالمطلق أنا ضد هذه التفرقة في الأدب بين أدب أنثوي و أدب ذكوري، هناك إما نص جميل أو لا. لكني شعرت بهذا الميل حين ترجمت رواية  صدرت حديثاً للكاتبة الفرنسية أنّي إرنو، استمتعت بترجمتها بطريقة مرعبة، اختلجتها أحاسيس أنثوية عالية، و طريقة تفكير لا تخطر على بال الرجل. لذا من الجميل أن نكتشف هذه الأشياء، و كيف يفكر الجنس الآخر.



-يشير الناقد الفرنسي جيرار جينيت في كتابه "طروس" الصادر عام 1982 إلى أن  "مترجم الأدب يقوم دائما بـ"شيء آخر" ما دام هناك خرق للحرفية، وما دام هناك تحويل وانزياح، أي بعبارة أخرى تملك. أي أنه لا يوجد بين النص الأصلي والنص المترجم علاقة تطابق". هل توافقه الرأي ؟



بشكل عام أوافقه الرأي، و لكن في الوقت نفسه هناك إفتراق، أي لا نستطيع أن نترجم و نصنع من خلال ترجمتنا شيئاً آخر مختلفاً عن النص الأصلي. و هنا نرجع إلى مثل شهير عند الإيطاليين "المترجم خائن" أي لا نستطيع أن نكون دقيقين تماماً، كلها تتطلب الإنحياز إلى منطقها و تفكيرها، أي لا نقدر أن ننقل النص من طريقة تفكير صينية إلى العربية و نحافظ على نفس تركيبة اللغة، مع الحفاظ على السياق اللغوي و الفكري للنص المترجم وعلى مضمون الكتاب للمؤلف نفسه. لذا لا نستطيع بأي طريقة من الطرق المحافظة على حرفية النص و نحن ننتقل من لغة إلى أخرى، و من مكان إلى مكان، و كل مكان له إحترامه و ثقافته و طريقة تفكيره.

-هل تخضع عملية الترجمة الأدبية إلى عملية تدقيق كالدور الذي يلعبه المحرر في أي نص من النصوص؟



طبعاً، هناك الكثير من دور نشر تدقق بالنصوص و الكتب المترجمة، في أوروبا تحديداً يهتمون بهذا الأمر، فيعاودوا قراءتها و يعاد التدقيق بها. لكن دور النشر العربية تفتقر إلى وجود المدققين، فيعتمدون على دقة المترجم و صوابيته، و هناك الكثير من الكتب تحتوي على فضائخ من ناحية الحذف و الإضافات، أو من ناحية تغيير المعنى الأصلي لبعض الجمل الواردة في النص المترجم.



-     بالإنتقال إلى الأدب العبري و ترجمته إلى العربية، يقول غسان كنفاني في كتابه "في الأدب الصهيوني": "كانت جبهة اللغة بالنسبة للصهيونية، جبهة شديدة الأهمية أخضعت للغايات السياسية و جعلت بالتدريج و بالتوجيه المتواصل مبرراً – فقد كانت في الحقيقة الخيط الواهي الوحيد الذي يربط بين اليهود في توزعهم على عرض العالم(...) إذ أن الأدب الصهيوني الذي يبرر نفسه برفض الإضطهاد العنصري هو تعبير معاصر عن موقف عنصري مضاد". ألا تجد أن ترجمة الأدب العبري إلى العربية تؤسس لفتح منصة عبرية ينقل فيها اليهود الصهاينة فكرهم بطريقة غير مباشرة قد تؤثر على عقول البعض و تشوش بعض المفاهيم لديهم، كترجمة رواية "عن الحب و الظلام" للكاتب الإسرائيلي عاموس عوز؟



ليس إلى هذا الحد. أولاً أنا مع غسان، و أضيف على كلامه التالي، في مرحلة من المراحل كانت هناك اللغتان اليهودية و الياداشية (لغة يهودية كذلك)، اللتان كانتا معرضتان للإنقراض، و ببساطة لولا المشروع السياسي لإسرائيل لم يتم إعادة احياء هاتين اللغتين و اللتين أعادتا تأسيس دولة عنصرية من خلال لغة عنصرية.

و نحن و غيرنا من الجرائد ننقل نصوص من الصحافة الإسرائيلية و التي خدمتنا كثيراً لمعرفة طريقة تفكيرهم .الفكرة في الترجمة العبرية ليست "للترجمة" أي ما للكلمة من معنى، بل نترجم كي نحكم التصرف و التعامل معهم. و ليس من الضروري أن نتأثر بهم، كل شخص لديه مناعته وسياسته و فكره. أما بالنسبة لعاموس عوز و الذي تعتبره أوروبا من أحد رواد حركة السلام الآن، و أنه غير صهيوني، و من مناصرين القضية العربية، و نحن صدقنا ما سمعناه نوعاً ما. فبعد قراءتنا  للرواية، وجدنا أنه أعاد تأسيس كذب الشخصية على تأسيس الدولة اللإسرائيلية، شيء مرعب! ظهرت عبارة بالسبعينات إسمها  "إعرف عدوك" أي إذا جهلنا ما يقوله و ما يخطط له فلن نستطيع مواجهته و لا بأي طريقة.



-كيف تقيم ولوج شباب ليس لديهم الخبرة و الثقافة الكافية عالم الترجمة الأدبية؟ هل هذا يشكل خطراً عليها؟



هناك جملة لإيليوت يقول فيها أن كل قصيدة يجب أن يعاد ترجمتها كل 10 سنوات، لأن اللغة التي يستخدمها الناس تختلف من جيل لآخر، كي تبقى اللغة و الترجمة حيّة بين الأجيال الجديدة، فيجب إعادة ترجمتها بلغة العصر. لكن المشكلة كما ذكرت سابقاً أن الجامعات و المعاهد لا تدرس الترجمة الأدبية بشكل كافٍ و متقن. و هناك مشكلة أساسية لدى بعض الشباب اليوم هي المستوى المتدني للمعرفة و الثقافة، شيء جداً مرعب، و من هذه الناحية، أجل، هناك خطر على الترجمة بشكل عام، ليس فقط الترجمة الأدبية.







كادر )بعض الكتب و الكتّاب الذين ترجم لهم)



قبل أن تدخل إيثاكا (مختارات شعرية) - يوجينيو دو أندراد

حارس القطيع – فرناندو بسوا

قصائد مختارة – أكتافيو باث

أرض و رماد – عتيق رحيمي

ألف منزل للحلم و الرعب – عتيق رحيمي

أن تكون شاعرا - ياروسلاف سيفرت

هذه الدمعة الأخيرة... التي لا تراها – أمبرتو سابا

أحلام أحلام – أنطونيو تابوكي

الإحتلال – آني إرنو

تخنزر – ماري داريوسك

مورفين - ميخائيل بولغاكوف

No comments:

Post a Comment