الشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي في روايتها الأولى
"فكّت الريشة الموضوعة في عنق العود بهدوء. عانقته و هو يغرق في حضنها، حنت عليه ووضعت ذراعها اليمنى فوقه، بينما من بين أصابعها تنقره الريشة الراقصة المرتعشة القلقة، و تستقرّ يدها اليسرى تداعب عنق العود تحرّك أوتاره، فيتصاعد لحن أندلسي حزين سائر.." تأخذنا الحكاية إلى أعالي الهضاب الكئيبة، لتعرّي الخدش في مجتمعات زيّنها التملّق و الإحتيال. بعثرت تفاصيل "ليالي الشمال الحزينة"، "مدينة باردة من مدن الشمال حيث يسكن أبي و جدتي "لالة أندلس" و الآخرون". تقول "أندلس"، إحدى بطلات هذه الرواية.
تروي الكاتبة الجزائرية ربيعة جلطي حيوات خمس نساء يتخاصمن و يتقاسمن عالماً من الأحلام و الأوهام و الذكور، و التي عجنت تفاصيلها في طواحين السلطة المريضة التي لا تتطلع إلا إلى إيقاظ ذلك العضو الجنسي الخاص بالزعيم، كي يحصلن على المال و العمل.. تحاكي الرواية جزءًا من واقع النساء الباحثات عن سعادتهنّ في مجتمع عربي يملؤه الخبث و الإحتيال و الضغينة و المكائد. تدخل جلطي بعدستها الروائية إلى زوايا القصر و غرفه، حيث يُمنع الدخول. تجلس على عتبة حكاياتهنّ، و تسترسل بلفظ تفاصيلها.
تحتشد الرواية الصادرة عن "دار الآداب" 2010، بتفاصيل عذابات يومية لنساء اختلفن بنظرتهنّ للحياة، فقدمت الكاتبة تلك الإزدواجية من خلال طرحها فكرتي "الخير والشر"، فحاولت إيصال فكرة الخير من خلال شخصية "أندلس" و تبيان الشر الذي تعمدت كل من "الياقوت" و "سعدية" الخضوع له، كي لا تحرما من المال. إلا أن هذا الإختلاف في خياراتهنّ، لم يحل دون التقائهنّ في عملية البحث المتواصل عن السعادة المفقودة والسلام الغائب في النفوس.
ربيعة جلطي، شاعرة جزائرية من مواليد العاصمة الجزائر عام 1964. نالت شهادة الدكتوراه في الأدب المغربي الحديث، وهى حاليًا أستاذة في جامعة وهران. كاتبة ومترجمة، لها ثماني مجموعات شعرية. حازت روايتها الأولى "الذروة" على الجائزة الأولى في المسابقة التي نظمها النادي الأدبي الجزائري على الإنترنت.
و تنافست في هذه المسابقة 10 روايات جزائرية طيلة شهر كانون الثاني و شباط 2011 و قد تم التصويت على مرحلتين، شهدت خلالها مشاركات من مختلف القراء و الكتاب و النقاد.
ولدت هذه الحكايات بعد انقباض رحم الحياة على أنفاسهنّ، فعانقت "لالة أندلس" ذكرى زوجها "سي عربي" الذي استشهد على أيدي الفرنسيين، بكلّ ما يبعثه معطفه من عطر شهي يمتلىء فيها و تمتلىء فيه. لم تستطع أن تتزوج بعده، فكانت تقول: "لا أستطيع أن أتزوج إثنين" لأنها لم تشعر بغيابه، عاش في تلافيف روحها. أما "زهية"، إبنة "لالة أندلس" بالتبني، اكتفت بالشجار مع صور زعماء السلطة كل يوم في الحمّام، إلى أن تزوجت من رجل يهودي الأصل يعيش على حافة البحر المتوسط، عشقت قصته و تفاصيل حياته، فقررت أن تشاركه إياها. احتضنت "أندلس" ذكريات عمتها "زهية" بعد رحيلها. تأثرت بها، أخذت كل ما يحلو لها من قواميس تركتها لها "زهية"، إذ كانت المترجمة الشخصية للزعيم "صاحب الغلالة" و الموظفة السامية في قصره. عُرفت "أندلس" بجمالها و جاذبيتها و شخصيتها الرصينة و بأنوثتها العذبة، و التي أشعلت نار الغيرة في قلوب كل من عرفها، و منهم زميلتها أيام المدرسة "الياقوت" التي نهشت غيرتها منها سعادتها و أعصابها. كانت تشبه "أندلس" جدتها "لالة أندلس" بحنكتها و ثقافتها و اهتماماتها، حتى رافق القلب درب تشابه القصص، فأحبت رجلاً يدعى "أمازيغ"، وعدها بالزواج بعد عودته من موسكو، لكنه لم يعد. عاشت "أندلس" بقية سنواتها مشحونة بما تركه فيها من طاقة عشق قبل سفره. و جاءت تسمية "أمازيغ" نسبة للشعب الأمازيغي أو البربري الذي يسكن في شمال أفريقيا، و ذلك تبعاً للمحيط الذي تنتمي إليه الكاتبة. و عملت "أندلس" في ما بعد فنانة تشكيلية ذاع صيتها في المنطقة بسبب أعمالها الجميلة و المتقنة.
تدخل رواية "الذروة" إلى عمق تفاصيل أنوثتهنّ، المباح بعضها لأنفاس و لذات الرجال المارين بهن أي "الياقوت" و التي كانت الحاجبة الأولى لدى الزعيم سيد "الغلالة"، و صديقتها "سعدية" التي خضعت لرغبة "الياقوت" في أن تجري عمليات تجميل شكليّة و نفسيّة كي تشبه "أندلس" التي أمر الزعيم توظيفها في قصره. و قدّمت كل من "سعدية" و "الياقوت" شرفهما لرجلين أجنبيين في ليلة واحدة، و كرّت بهما سبحة العلاقات الجنسية العابرة، بحثًا عن لذة مفقودة في الواقع.
تداخل في الرواية سرد تاريخي لبعض الأحداث الحاصلة في الجزائر أيام الإحتلال الفرنسي و تفاصيل صغيرة عن زوج "زهية"، حين تحدثت عن عائلة "آل كرز" اليهودية التي هاجرت نحو شواطئ المغرب الأوسط. و تتناول كذلك قضايا الفساد الإجتماعي – الإقتصادي تحت وطأة حاكم ديكتاتوري. إذ تقصدت الكاتبة عدم ذكر إسم الزعيم كي لا تحصره بذاك المتواجد في قصر في الجزائر، بل في كل البلدان العربية التي يعيش شعبها تحت سلطة أشباهه.
لا شكّ في أنّ المرأة هي المحرّك الرئيسي في هذه الرواية، فـ "أندلس" تحمل إسم المكان الذي حقّق فيها العرب ذروتهم و هي الشخصية المثالية التي وصلت من خلال صفاتها الحميدة إلى الذروة، على عكس "الياقوت" التي سعت للوصول إليها جاهدة دون جدوى. و عن دلالة إسم "الياقوت" فهو إسم أحد أقوى الأحجار المعروفة بلونها الأحمر القاني والتي تعود إلى أصل صحراوي بركاني حارّ، وهي أشدّ الجواهر صقلاً بحيث أنها لا تذوب في النار بل تشتدّ احمراراً.
كانت رواية فاضحة للحياة السياسية و للعاملين فيها، إذ أن التفاصيل التي ذكرتها الكاتبة في الرواية عن الزعيم و عن الحياة في القصر تستحق الوقوف عندها و الغوص فيها، لأن الفساد بات مستشريًا بشكل كبير في الحكومات و الإدارات؛ فساد مالي، سلطوي، و أخلاقي بالدرجة الأولى. و مثلت شخصية "أندلس" كذلك الحرية في جمالها و صعوبة منالها. "أندلس" شخصية تقاوم الفساد وتعريه بطريقة شفافة دون خطابات. و تقول الجلطي في هذا المنحى: "أنا أعتقد أن شكل الفساد الذي تعيشه الأنظمة العربية لا يمكن قوله إلا من طريق السخرية، فهو فساد في واقعيته يتجاوز كل خيال. ورمزية الإسم "أندلس" توحي بما تحتاجه الإنسانية للتعايش والتسامح، توحي بالفقدان أيضاً والحنين والإنتصار والأمل، إنطلاقًا من فتح الأندلس. ألم تظل لوحة أندلس معلقة عند رأس سرير صاحب الغلالة والذي يأتي بعده، بمعنى أنها الحلم والمبتغى في رمزيتها وأنها أندلس غير قابلة للمسخ أو للشراء والبيع، وأن النهايات متعددة وواردة لكن الحلم يظل حيًا ومتجددًا."
كتبت ربيعة جلطي روايتها منذ العام 2008 متنقلة بين الجزائر و شنغهاي و بيجين. لكن استخدام اللهجة العامية الجزائرية في بعض جمل الرواية كان عائقًا دون فهم بعض الكلمات، الأمر الذي سبب تشويشًا بسيطًا عند القراءة، و ذلك بفعل التمعن بالكلمات و محاولة فهمها. لكنها تميزت بأسلوبها الروائي الممتع، و بإنتقالها بالزمن و بالأمكنة بطرفة عين.
و الجدير بالذكر، أن هناك العديد من الروايات التي جسدت واقع الفساد السياسي، أو سطوة المجتمعات الذكورية على المرأة، وواقع المرأة في مجتمعات مهمشة، و لكن ليس بالشكل الذي طرحته الجلطي، مثل: رواية "الصبار" و "الميراث" للكاتبة الفلسطينية سحر خليفة، و كذلك رواية "شيكاغو" للكاتب المصري علاء الأسواني.
وتنتهي الرواية بمشهدية ميلودرامية تتجلّى في زيارة الزعيم لبيت أندلس وطلب يدها، بعد أن علّق لوحة لها فوق سريره لفترة طويلة كي تبقى الهدف الأسمى لديه، إلى أن يتزامن رفضها له و إعلام الحاكم عبر مكالمة هاتفية بحصول انقلاب عسكري أدّى الى تولّي خادمه المخنّث حكم البلاد.
نستطيع اعتبار رواية "الذروة" رواية سياسية، و ذلك لأن ذروة الأحداث جاءت على خلفية المشهدية السياسية الفاسدة، و التي كانت سبباً لتفاقم لذات النساء في غير مواضعها، من جهة، و من جهة أخرى صراع المرأة بين الحفاظ على جسدها و رغبة عيون السلطة فيه، أي أن المحور الرئيسي للرواية هو المرأة والسلطة.
و هنا يُطرح السؤال: ألا تستحق "الذروة" أن تخرج عن دائرة التعريفات و النسب و الحد في سلطة أو عضو أو شارع ليلي أو حب عابر؟ الذروة هي التماس الحرية، هي عفاف النساء، هي خلع رداء التبعية، و إغلاق باب التصفيق و النداء "بالروح بالدم نفديك يا زعيم" التي امتلكت حناجر الناس ترحيباً بالزعيم الجديد.

No comments:
Post a Comment